سلسلة فقر الدم الحديدي (1) : ما هو؟ وكيف يتم تشخيصه؟

ما هو الدم؟

تخيّل أن لديك شركة فيها العديد من الأقسام، تُنتج بعض الأقسام منتجات تحتاجها الأقسام الأخرى لتقوم بوظيفتها، كما ويلزمها للقيام بمهمَّتها العديد من المواد، وينتج عن كل ذلك فضلات ومواد أخرى. أليست هذه الشركة بحاجة إلى وسيلة لنقل هذه المواد؟ وطريق تقوم من خلاله بالاتصال بهذه الأقسام؟ هذا بشكل مبسط هو الدم؛ فهو وسط مائع يعمل على نقل المواد اللازمة لوظيفة الخلايا، ونقل الفضلات إلى حيث يتم التخلص منها.

ما هي مكونات الدم؟

يتكون الدم في معظمه من سائل وهو البلازما، فيه خلايا تتنوَّع بين خلايا الدم الحمراء، والبيضاء، والصفائح، التي لكلٍّ منها وظائف محددة.

ماذا نعني بقولنا فقر الدم؟

هو نقصان تركيز خلايا الدم الحمراء في الدم، وذلك لأنَّها هي التي تقوم بوظيفة الدم الأساسية؛ نقل الأوكسجين.

ما هو فقر الدم الحديدي؟

هناك العديد من الأسباب التي تؤدي إلى فقر الدم، أشهرها هو فقر الدم الحديديّ وهو نقصان تركيز خلايا الدم الحمراء بسبب نقصان الحديد اللازم لتصنيع مركب الهيموغلوبين داخلها.

هل هو مرض شائع؟

هذا الحالة المرَضيَّة شائعة حول العالم؛ خاصة عند النساء اللواتي تأتيهنّ الدورة الشهريّة، وهي أقل شيوعًا عند الرجال، وأكثر انتشارًا في الدول النامية وذلك لنقص الحديد في الغذاء. بحسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية لعام 2011، فإن أعلى معدلات انتشار بين المصابين بفقر الدم هم الأطفال (42.6%)، تليهم النساء الحوامل (38.2%)، ثم النساء غير الحوامل (29.4%)، من بين هؤلاء، 42% من الأطفال يمكن إعطائهم مكملات غنية بالحديد، و50% من فقر الدم عند النساء يمكن علاجه بمكملات الحديد أيضًا. (2)

كيف يمكن تشخيص فقر الدم الحديدي؟

بعد أخذ السيرة المرضية للمريض وفحصه سريريًا وتقييم الأعراض التي يعاني منها والعلامات التي تظهر عليه -والتي سنتحدث عنها في المقال الثاني- يطلب الطبيب إجراء فحوصات للدم للتشخيص.

ما هي الفحوصات التي يطلبها الطبيب؟

1- فحص العدّ الدّموي الشامل (CBC): هو مجموعة من الفحوصات التي تشمل:

  • عدد كريات الدم الحمراء (RBC)، والتي تكون منخفضة في حال الإصابة بفقر الدم.
  • تركيز الهيموغلوبين (Hgb)، الذي يكون منخفضًا في حال الإصابة بفقر الدم.
  • الهيماتوكريت (Hct)، ويمثل نسبة خلايا الدم إلى البلازما، ويكون منخفضًا في حال الإصابة بفقر الدم.
  • متوسط حجم خلايا الدم الحمراء (MCV)، يكون طبيعيًّا في البداية، ويبدأ بالانخفاض مع استمرار نقص الحديد ليشير إلى أن حجم الخلايا أصبح أصغر.
  • متوسط تركيز الهيموغلوبين داخل خلايا الدم الحمراء (MCHC)، يكون طبيعيًّا في البداية، ويبدأ بالانخفاض مع استمرار نقص الحديد ليشير إلى أنَّ الخلايا أصبحت تحمل هيموغلوبين بشكل أقل.
  • كجزء من العدّ الدموي الشامل، تتمُّ معاينة أشكال خلايا الدم الحمراء، ولونها، وأحجامها بواسطة آلة، أو عبر المجهر الإلكتروني، ممّا يساعد في معرفة سبب فقر الدم.
  • يشمل كذلك أعداد خلايا الدم البيضاء وأنواعها وعدد الصفائح الموجودة في الدم.

2- فحوصات مخازن الحديد:

  • تركيز الحديد في الدم (Serum Iron): هذا الفحص لقياس مستوى الحديد في الدم، أي أنَّه يتأثر بأي مكمّلات حديد أو أي وجبات غنية بالحديد تناولها المريض مؤخرًا، ويكون منخفضًا عند الأشخاص الذين يعانون من فقر الدم الحديدي.
  • الترانسفيرين (transferrin أو TIBC): يقيس الفحص مستويات الترانسفيرين وهو البروتين الذي يرتبط بالحديد في الدم ويعمل على نقله إلى خلايا الدم الحمراء أو مخازن الجسم، مما يعني أنّ نسبة هذا البروتين تزداد عند وجود نقص في الحديد، فيكون مرتفعًا عند الذين يعانون من فقر الدم الحديدي.
  • إشباع الترانسفيرين: وهي نسبة مواقع ربط الحديد المشغولة على بروتين الترانسفيرين، يتم حسابه بقسمة تركيز الحديد على الترانسفيرين، ويكون منخفضًا عند الذين يعانون من فقر الدم الحديدي.
  • الفيرّيتين: هو بروتين يعمل على تخزين الحديد في الكبد والطحال، يرتفع في العديد من الحالات التي ليس لها علاقة بالحديد، وهو أمر محيّر عند قراءة النتائج. لكنّنا نقول أن انخفاض الفيرّيتين يعني نقص الحديد، أما النسب الطبيعية أو العالية قد تعكس مخزون الحديد أو وجود التهاب، وفي هذه الحالة من الضروري النظر إلى إشباع الترانسفيرين.

يعتبر الفيرّيتين والإشباع الترانسفيرين الفحوصات الأكثر فائدة للتشخيص.

3- كما يطلب الطبيب فحوصات أخرى لمعرفة سبب نقص الحديد، وهذا ما سنفصّله في مقال لاحق.

الشلل الرعاش – مرض باركنسون

يعتبر مرض باركنسون (الشلل الارتعاشيّ) من الأمراض التنكسيّة العصبيّة ويؤثر بشكلٍ أساسيّ على الجزء الدماغيّ المسؤول عن الحركة، إذ يعاني المصابون به من نقص الدوبامين -وهو أحد النواقل العصبيّة التي تلعب دورًا مهمًا في تنظيم الحركة- نتيجة حدوث عطل في وظائف الخلايا المنتجة له أو موت هذه الخلايا التي توجد في المنطقة السوداء في الدماغ، مما يؤدي إلى ظهور عدّة أعراض كارتعاش اليد وبطء الحركة وتيبس العضلات.

الأعراض

قد يسبب المرض الأعراض الحركيّة التالية، أو أعراضًا أُخرى تؤثر على حركة الشخص بشكلٍ عام:

1. الرعشة: تحدث غالبا في اليد أو في أحد أصابعها، أو في القدم أو الرجل كاملة، أو في الذقن، وغالبًا ما تحدث عندما يكون الشخص ساكنًا بلا حراك. وقد تكون هذه الرعشة إحدى العلامات المبكرة للمرض.

2. تيبُّس العضلات: والذي قد يحدث في الأطراف العلويّة أو السفليّة أو في الجسد نفسه، ومن الأمثلة على ذلك عدم تمايل اليدين بشكلٍ طبيعيّ أثناء المشي، أو أن تبدو القدم وكأنها عالقة عند المشيّ أو الالتفاف.

3. بطء الحركة، والذي قد يتمثل في بطء بدء الحركة، مثل حركة النهوض من الكرسي مثلاً، أو البطء أثناء القيام بالأنشطة الحياتيّة اليوميّة كارتداء الملابس، وبطء الحركات اللاإراديّة مثل الرّمش. وقد تتأثر بذلك عضلات الوجه أيضًا؛ مما قد يؤدي إلى افتقار الشخص لوجود تعابير وجهيّة لديه

4. خلل في الاتزان والوقوف والمشيّ: قد يؤدي اختلال التوازن لدى المرضى إلى زيادة خطر السقوط المتكرر، إضافةً  لما يميز هيأتهم عند الوقوف بشكلٍ مشدود مع انحناء الظهر، ومشيتهم المتثاقلة بخطوات قصيرة وبطيئة.

غالبًا ما تتطوّر هذه الأعراض بشكلٍ بطيء؛ مما قد يجعل ملاحظتها في المراحل الأولى أمرًا صعبًا، خاصةً أنَّ تطوّرها مع الوقت وشدّتها تختلفُ من شخصٍ لآخر. ومن الجدير بالذكر أنَّ أعراض المرض لا تقتصر على الأعراض الحركيّة، بل تشمل جوانب عدّة أخرى تؤثر على حياة المريض ونشاطاته اليوميّة، ومنها:

1. تغيّرات المزاج: يشيع حدوث الاكتئاب والقلق لدى مرضى الشلل الرعاشيّ.

2. تغيّر في القدرات العقليّة: مما يؤثر على الذاكرة، والقدرة على التفكير واستحضار الكلمات واتخاذ القرارات، لكن هذه الأعراض غالبًا ما تحدث في المراحل المتقدمة من المرض.

3. اضطراب حاسّة الشم: وذلك بانخفاض حساسيتها أو انعدامها، وهذا من أعراض المرض المبكرة.

4. صعوبة البلع: تتراجع القدرة على البلع مع تفاقم المرض، ويرافقها تجمّع اللعاب في الفم مما يؤدي إلى سيلانه خارج الفم.

5. صعوبة المضغ والأكل: يحدث هذا العرَض في المراحل المتقدّمة من المرض، حيث تتأثر عضلات الفم المسؤولة عن حركة المضغ، مما قد يؤدي إلى الاختناق بالطعام بالإضافة لفقدان الوزن.

6. مشاكل في التحدث: يصبح كلام المصابين بهذا المرض هادئًا وبنبرة واحدة ثابتة، أو بكلماتٍ أُخرى، يصبح حديثهم رتيبًا.

7. تغيرات في خطّ اليد: تصبح الكلمات المكتوبة بخطّ اليد أصغر حجمًا ومتقاربة جدًا من بعضها.

8. اضطرابات النوم: كالأرق وما يرافقه من النعاس والخمول خلال النهار.

9. الإمساك: إذ تصبح حركة الأمعاء بطيئة مما يؤدي إلى اضطراب عمليّة الإخراج.

10. الدوخة واختلال التوازن: يحدث هذا خصوصًا عند النهوض بعد الجلوس أو النوم، نتيجة انخفاض ضغط الدم عند المرضى.


الأسباب وعوامل الخطورة

ما زال السبب المباشر وراء المرض مجهولاً وفقًا لـ (مايوكلينك)، لكن الدراسات تشير إلى أنَّه نتاج مجموعة عوامل جينيّة وبيئيّة. ويعتبر مرض باركنسون من الأمراض المرتبطة مع تقدّم العمر؛ حيث يعدُّ التقدّم بالعمر من أهم عوامل الخطورة للإصابة بالمرض الذي يصيب غالبًا الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم حول الستين عامًا. لكن هذا لا ينفي أنَّ المرض قد يصيب الأشخاص الأصغر سنًا، حيث أنَّ ما نسبته من 5 إلى 10% من الحالات المسجّلة هي لأفراد تم تشخيصهم بالمرض قبل أن يبلغوا عامهم الخمسين. إلى جانب العمر، هناك عوامل خطورة أخرى، منها:

1. الجنس: ترتفع احتماليّة إصابة الذكور بهذا المرض، حيث أنَّ احتماليّة إصابة الذكر بالمرض أكثر بـ 1.2-1.5 % عمّا هي بالنسبة للإناث.

2. الوراثة: قد يساهم وجود بعض الطفرات الجينيّة في حدوث المرض، لكن وبرغم ذلك تفتقد معظم الحالات لوجود هذه الطفرات، حيث أنَّ ما نسبته 10% فقط من المرضى لديهم تاريخ عائليّ جينيّ مرتبط بالمرض.

3. التعرض لبعض المواد والسموم: حيث أظهرت الدراسات أنَّ التعرض لبعض العوامل والسموم البيئيّة كالمبيدات الحشريّة ومبيدات الأعشاب وشرب مياه الآبار بشكل مباشر، قد يزيد من خطر الإصابة بهذا المرض، ولكن بشكلٍ قليل نسبيًا.

4. إصابات الرأس المتكررة: خاصةً عندما يرافقها فقدان للوعي، فإنَّها تزيد من خطر الإصابة بالمرض.

التشخيص

ليس هناك فحص خاص يقودنا للتشخيص، مثل فحوصات الدم أو التصوير بالرنين المغناطيسيّ، بل يعتمد التشخيص على وجود مجموعة من العلامات التي تمكن ملاحظتها خلال إجراء الفحص السريريّ كالتيبس وبطء الحركة وغيرها، وهنا يجب التنويه إلى ضرورة أخذ سيرة مرضيّة شاملة وعمل فحص شامل للأعصاب، لاستثناء وجود مسبب آخر للأعراض والعلامات كالجلطة الدماغيّة، أو تناول بعض الأدوية التي قد تؤدي إلى حدوث رعشة كعرضٍ جانبيٍ لها.
إضافةً إلى ضرورة متابعة تطور هذه الأعراض؛ حيث يتميز باركنسون بأنه مرض تدريجيّ في تطوّر الأعراض والعلامات المرافقة، وهكذا فإنَّ تشخيص المرض ليس أمرًا سهلاً، وينصح دائمًا بالمتابعة لدى أخصائيي الأعصاب وأطباء اضطرابات الحركة؛ لأنهم الأكثر قدرةً على ملاحظة ومتابعة هذه الأعراض.

العلاج

رغم توفر عدّة أدوية للحدّ من أعراض المرض، لكن لا يتوفر دواء يستطيع وقف تطور المرض. وأشهر هذه الأدوية وأكثرها استخدامًا هو (الليفودوبا) برفقة (الكاربيدوبا)، حيث يعمل الأول على تخفيف الأعراض الحركيّة للمرض، بينما يخفف (كاربيدويا) من الآثار الجانبيّة المرافقة لتناول (ليفودوبا) والمتمثلة في الغثيان والتقيؤ.
على الرغم من فاعليّة (ليفودوبا) في تخفيف الأعراض إلا أنَّ هذه الفاعليّة قد تتلاشى عند وقف تناوله بشكلٍ مفاجئ. بالإضافة لأعراضه الجانبيّة سالفة الذكر، فقد يتسبب ليفودوبا بالدوخة وحدوث حركات عشوائيّة في الأطراف فيما يعرف باضطراب خلل الحركة؛ لذا فقد يفضل بعض المرضى عدم البدء بأخذه خاصة في المراحل الأولى للمرض خوفًا من هذه الأعراض، إلا أنَّ هذه المخاوف غير مبررة؛ ففي ميزان الفوائد والمخاطر فإنَّ كفّة فوائد الدواء هي الراجحة.
من ناحيةٍ أُخرى، أظهرت بعض الدراسات أنَّ النشاط البدني قد يبطئ من تطوّر أعراض المرض؛ لذلك يشجع الأطباء على ممارسة الأنشطة الرياضيّة بانتظام كركوب الدراجات والسباحة وتمارين بناء الأجسام، حيث تساعد الرياضة على تحسين وظائف الحركة والاتزان من ناحية، وتحسين المزاج من ناحيةٍ أُخرى. أخيرًا، فإنَّ التحفيز العميق للدماغ هو الآخر يمكن أن يخفف الأعراض، حيث تجرى عمليّة جراحيّة يتم خلالها زراعة أقطاب كهربائيّة في مناطق معيّنة بالدماغ؛ لتحسين الأعراض المتعلقة بالحركة.

الأبحاث والدراسات

أظهرت الأبحاث أنَّ إحدى الجوانب الهامة لإجراء الدراسات العلميّة المتعلقة بمرض باركنسون هي موضوع بروتين (ألفا ساينوكلين)، إذ وجِد عند تشريح جثثٍ لمرضى باركنسون، احتواء خلايا أدمغتهم على أجسام (ليوي – Lewy) الناتجة من تكتل جزيئات بروتين (ألفا ساينوكلين)، وتبيّن أنَّ وجود هذه الأجسام في خلايا الدماغ هو علامة فارقة للمرض، ولربما تكون هي السبب في تراجع وظائف الدماغ عند المرضى.
يأمُل الباحثون أن يتمكنوا من منع تكتل جزيئات هذا البروتين إما بإزالتها أو بإيقاف انتشارها داخل خلايا الدماغ؛ في سبيل وقف تطور المرض.

اختبار وخز الكعب لحديثي الولادة

تعتبر أيام وأسابيع ما بعد الولادة فترةً حرجة في حياة الأُم والطفل حديث الولادة، إذ تحدث معظم وفيّات الأمهات والرضع خلال هذه المرحلة، إلا أنَّ كثيرًا من هذه الوفيّات والأمراض يمكن تلافيها في حال توفير الرعاية الصحية الجيدة، وذلك عبر إجراء الفحوصات والاختبارات اللازمة لتقصي وجود أي أمراض أو حالات طبيّة تستدعي علاجًا. فحص وخز القدم لحديثي الولادة (neonatal heel prick test)، هو إحدى اختبارات حديثي الولادة الأساسيّة التي قد تنقذ حياة طفلك، فما هو هذا الاختبار؟

لماذا تؤخذ قطرات من دم كعب الطفل حديث الولادة؟

يُجرى ذلك من أجل القيام بالفحص الوقائيّ لحديثي الولادة في الأسبوع الأول (خلال الساعات الأولى من الولادة)، عبر سحب الدم من كعب المولود ومن ثم تحليل العيّنة للكشفِ عن وجود المشاكل والاضطرابات الوراثيّة النادرة والتي قد تكون خطيرة، يُساعد هذا الاختبار في الكشف عن الأمراض في أسرع وقتٍ ممكن، مما قد يحدث فرقًا جوهريًا في إمكانيّة علاجه.
يبدو الكثير من الأطفال ممن يولدون بهذه الأمراض بكامل صحتهم عند الولادة، نظرًا لعدم ظهور أعراض تدلُّ على إصابتهم بها، مما قد يؤدي لعدم اكتشافها وبالتالي التأخر في علاجها، وهذا بدوره يؤدي إلى مضاعفاتٍ صحيّة خطيرة ودائمة لا رجعة فيها؛ كالإعاقة العقليّة والحركيّة، وتأخر النموّ، أو الوفاة المُبكّرة في أسوأ الأحوال. لذلك؛ فإنَّ إجراء الفحص يُساعد بشكلٍ كبير في منع حدوث هذه المضاعفات.

 إنَّ معظم هذه الاضطرابات وراثيّة ذات أصل جيني وترتبط بشكلٍ أساسي بزواج الأقارب، إلا أنَّ احتماليّة إنجاب أطفال يعانون من هذه المشاكل الصحيّة يظلُّ قائمًا وإن لم يكن لدى الوالدين أي مشاكل صحيّة، وإن كانوا قد أنجبوا أطفال أصحاء من قبل. وبشكلٍ عام؛ يُنصح بإخطار الطبيب في حال وجود سجل عائليّ للمرض.
من الجدير بالذكر أنَّ هذه الأمراض لا يمكن شفاؤها؛ ولكن يمكن معالجتها على سبيل المثال بالأدوية أو بنظام الحمية الغذائيّ الخاص ( الطعام عالي الطاقة أو منخفض الكلاكتوز أو البروتين مثلاً) أو كليهما معًا.
في السنوات الأخيرة ومع تطور التقنيات الحيويّة تم تسجيل محاولات ناجحة للعلاج التجريبيّ الذي يقوم بتعديل الجينات المصابة بعد وقتٍ قصير من ولادة الأطفال المصابين بأمراضٍ معينة كمرض ضمور العضلات الشوكيّ (Spinal muscular atrophy).

اعتمدت وزارات الصحة في معظم بلدان العالم برامج وطنيّة مجانيّة للفحص “المسح الطبي” المبكر لحديثي الولادة، واعتبرته جزءًا أساسيًا من برنامج الرعاية الصحيّة المُقدم من قبل الدولة، وذلك بهدف الحدّ من حالات الإعاقة.
في بعض الأحيان يكون هناك تباين كبير في عدد وأنواع الحالات المشمولة في برامج فحص حديثي الولادة الوطنيّة المجانيّة (تحليل كعب القدم للمولود) من بلدٍ إلى آخر او حتى في أجزاء البلد الواحد، وذلك بالاعتماد على دراسات الصحة العامة ومدى انتشار هذه الأمراض في البلدان، والفوائد المحتملة والفعاليّة من حيث تكلفة إجراء الكشف المبكر، والجاهزيّة لإدارة الحالات التي سيتم تشخيصها.

وبشكلٍ عام يمكن التحقق من الاضطرابات الوراثيّة النادرة المرتبطة بـ:

  • أمراض التمثيل الغذائيّ الاستقلابيّة (أمراض الأحماض الأمينيّة والدهنيّة والعضويّة) التي تؤثر في كيفية استفادة الجسم من أنواعٍ معيّنة من الغذاء. تحدث معظم مشاكل التمثيل الغذائي عندما تكون بعض الإنزيمات مفقودة أو لا تعمل كما ينبغي. مثال فينيل كيتون يوريا (PKU)، نقص البيوتينيداز(Biotinidase Deficiency) وغيرها.
  • أمراض الغدد الصماء، التي تؤثر على مستوى الهرمونات المفرزة الضروريّة، مثل مرض قصور الغدّة الدرقيّة الوراثي،ّ وتضخم الغدة الكظريّة الكميّ الوراثيّ.
  • أمراض الدم الوراثيّة كأمراض الأنيميا المنجليّة، والثلاسيميا.
  • اضطرابات أخرى كالتليُّف الكيسيّ، والصمم الوراثيّ، وجلاكتوسيميا، ومرض التفوّل (نقص إنزيمG6PD)

نظرًا لندرة الأمراض التي يُساعد هذا الفحص بالكشف عنها، فإنَّ احتماليّة إصابة طفلك فعليًا بإحداها ضئيل إلى حدٍ ما؛ لذلك تكون معظم النتائج سليمة، ولكن ماذا إن كانت نتيجة الفحص إيجابيّة؟ في حال كانت النتيجة إيجابيّة، يتم الاتصال بالوالدين إذا كانت هناك مخاوف بشأن نتائج الاختبار وهذا لا يعني بالضرورة أنَّ طفلك يعاني من هذه الحالة الصحيّة، لأنَّ هذا الفحص يحدد فقط الأطفال الأكثر عرضةً للإصابة بالاضطرابات الصحيّة، فهو ليس اختبارًا تشخيصيًا. وعادة ما يتم طلب المزيد من الفحوصات التشخيصيّة والتحاليل للتأكد من وجود المشكلة الصحيّة من عدمه، إنَّ الفحوصات الإضافيّة مهمة؛ لأنَّ التشخيص والعلاج المبكر من شأنه منع العديد من المشاكل الصحيّة.

على الصعيد الآخر؛ يعتقد بعض الأشخاص أنَّ فحص الأطفال حديثي الولادة للكشف عن مزيدٍ من الأمراض ليس فكرةً جيدة، فمن وجهة نظرهم، يمكن أن تُسبب النتائج قلقًا وإرباكًا إضافيًا للوالدين، كما أنَّ احتماليّة ظهور نتائج إيجابيّة خاطئة قد تؤدي إلى أجراء المزيد من الاختبارات غير الضروريّة للأطفال. بالإضافة لما سبق، قد يخشى بعض الآباء من معرفة ما إذا كان طفلهم سيصاب بمرضٍ خطير مستقبلاً، خاصةً إذا كان ظهوره يستغرق سنوات كما في بعض الحالات.
ولكن من الناحية الطبيّة، يوصى بهذا الاختبار بشدّة، لأنَّه قد ينقذ حياة طفلك، والفوائد غالبًا ما تفوق المخاطر، ففحص حديثي الولادة يمكن أن يمنح المصابين حياةً طبيعيّة، ويمكن أن يقيهم من المضاعفات الصحيّة التي كان يمكن تجنّبها لو تلقوا العلاج باكرًا.

سلسلة فحوصات ما قبل الولادة (4) : التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة – PGD

في الوقت الحاضر، يقدم علم الوراثة مع التكنولوجيا دعمًا كبيرًا للطب التناسليّ، لأنَّه يقدم اختبارات مختلفة، اعتمادًا على المرحلة التي يمر بها الأزواج (قبل الحمل أو خلاله)، إذ يستطيع الأزواج الذين يعانون من مشاكل بالخصوبة أو من الإجهاض المتكرر، أو أولئك الذين عانوا من عدّة دورات غير ناجحة من التلقيح الاصطناعي أو المُعرضين لخطر ولادة طفل لديه اضطراب وراثيّ متوقع (لأنَّ أحد الوالدين أو كلاهما يحملان طفرات جينيّة أو اضطرابات كرموسومية معيّنة)، اللجوء لتقنيات المساعدة على الإنجاب (ART)، بهدف تقليل مخاطر انتقال الأمراض الوراثيّة إلى ذريتهم.

إحدى الإمكانيّات العمليّة المقترحة على الأزواج في تلك الحالات هي تقنية التشخيص الوراثيّ قبل زرع الأجنّة (الغرس) أو ما يُعرف اختصارًا بـ (preimplantation genetic diagnosis/screening (PGD/PGS)) حيث تتضمن هذه التقنية عزل خلية واحدة أو أكثر في اليوم الثالث بعد الإخصاب من الجنين المتكوّن من عمليّة الإخصاب مخبريًا خارج الجسم (IVF/ ICSI)، ومن ثم استخدام تقنيات مختلفة؛ على مستوى الحمض النوويDNA  أو الكرموسومات لاختبار وتحديد الحالة الوراثيّة للجنين ومعرفة ما إذا كان الطفل سيحمل المرض أو لا. وبعد ذلك يتم التقرير ما إذا كانت البويضة المخصبة ستخضع للعمليّة التالية؛ وهي الغرس في رحم الأم أو التخلص منها.

وقد ساعد التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة بالفعل الآلاف من الأزواج، إذ يمنح توقيت إجراؤه في مرحلةٍ مبكرة جدًا (قبل حدوث الحمل)، الآباء مزيدًا من الحرية والشعور بالراحة الأخلاقيّة أو الدينيّة في اتخاذ القرارات، لكن هذا لا يعني أنَّ تقنية التشخيص الوراثيّ قبل زرع الأجنّة PGD يُمكن أن تؤكد تمامًا عدم إصابة الجنين بالأمراض الوراثيّة.

حددت هيئة الإخصاب والأجنّة البشرية (HFEA) بالمملكة المتحدة أمثلة على الأمراض الوارثية التي يمكن تجنّبها باستخدام تقنية التشخيص الجينيّ قبل الزرع، مثل: متلازمة داون، باتو، إدواردز، ومرض تاي ساكس، وفقر الدم المنجلي، السرطانات الوراثية BRCA1&2، ورم الأرومة الشبكية، متلازمة تعدُّد الأصابع وقِصَر الأضلع، ومرض هشاشة العظام، ومرض هنتنجتون، ومرض الكلى متعدد الكيسات، وأشكال معينة من الصمم، وغيرها.

أما بالنسبة لأكثر اختبارات التحليل الوراثي استخدامًا في تقنية التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة، هي تفاعل البوليميراز المتسلسل (PCR) والذي بدأ العمل به متزامنًا مع بداية فحص أجنّة التلقيح الاصطناعيّ، أي قبل 30 عامًا؛ لمساعدة من يحملون عوامل وراثيّة لأحد الاضطرابات التي تصيب الذكور عادةً، مثل ضمور دوشين العضلي (Duchenne muscular dystrophy DMD)، لذلك وبفضل هذا الاختبار، تمكّن الأطباء بعد إخصاب البويضات في المختبر واختبارها لتحديد الجنس، من استثناء أجنّة الذكور التي يُحتمل إصابتها بالمرض، وزراعة الأجنّة الأُنثويّة السليمة فقط. تم تطوير تقنية تفاعل البوليميراز المتسلسل للكشف عن العديد من التشوهات الوراثيّة مثل طفرات الجين الواحد، اختلالات الكروموسومات، وطفرات الميتوكوندريا.
وبالمثل، كانت تقنية التهجين الموضعيّ التألقي (فيش-FISH) لفحص اختلال الكروموسومات (الانتقالات الصبغية) بالإضافة إلى الكشف عن الأمراض المرتبطة بالكرموسوم الجنسي (X، Y) مستخدمةً لسنوات عديدة، ومع ذلك، أصبحت هاتان الطريقتان قديمتان بسبب بعض المحددات مثل عجزهما عن الكشف عن الطفرات الجديدة غير الموروثة (de novo mutation) والتي تظهر لأول مرة في الجنين كنتيجةٍ لحدوث خللٍ ما.

من ناحية أخرى، تم إدراج طرق تشخيص جديدة لتحسين الكفاءة السريرية والنتائج، مثل التهجين الجيني المقارن (aCGH)، وتقنية تسلسل الحمض النووي الكامل للجينوم أو الإكسون (Whole genome/Exome sequencing)، والتي قدمت معلومات جديدة وغزيرة لاكتشاف المتغيّرات الوراثيّة لكل جين على حدة، وبالتالي تحسين جودة تقنية التشخيص الوراثيّ قبل زرع الأجنّة PGD فقد أصبح الآن من السهل نسبيًّا رسم خريطة تسلسل الجينوم كاملاً أو جزء منه عبر تحليل خليّة واحدة من الجنين.

بصفةٍ عامة تُعتبر هذه التقنية مثيرة للجدل نوعًا ما، ويتسم التوسع بها في جميع أنحاء العالم بالبطء بشكلٍ عام، باستثناء الصين التي أقدمت على خطوات وقفزات بهذا المجال تحسب لها وعليها، ففي الولايات المتحدة مثلاً لا يتم تنظيم التشخيص الوراثي قبل الزرع على عكس العديد من الدول الأوروبية التي يكون لديها هياكل قانونيّة صارمة تحدد المؤشرات المسموح بها لاستخدام الاختبار.

نظرًا لندرة تنظيم هذا الاختبار في العديد من الدول، فقد يميل البشر إلى استغلال واستخدام هذه التكنولوجيا لمصالحهم “الأنانية” لأي سببٍ من الأسباب، مثل استخدامها لتحديد جنس الجنين دون أسباب طبية، وإنَّما من قبيل تفضيل الوالدين جنس على آخر أو بهدف تعزيز صفات معيّنة من قبل الآباء الذين يرغبون بإنجاب أطفال بدرجةٍ أعلى من الجمال والذكاء والصحة البدنيّة، وتجنّب بعض الأمراض مثل الصمم.

تشكّل تقنيات التعديل الجينيّ (وهو إدخال أو حذف أو تعديل أو تثبيط أي جين بالحمض النووي، في موقع محدد منه، عن طريق ما يشبه المقص) مثل تقنية كريسبر (CRISPR)، مصدر قلق عالميّ، إذ تسمح هذه التقنيات بإجراء التعديلات الجينيّة على الأجنّة، وذلك عن طريق إصلاح الطفرات التي يسببها حدوث طفرة في جين واحد قبل زرع الأجنّة للحصول على أجنّة معدّلة وراثيًا، ومن الأمثلة على ذلك قيام فريقُ علماء صينيّ بالإعلان عن ولادة طفلتين معدلتين جينيًا للمساعدة في حمايتهما من الإصابة بفيروس الإيدز، مما أثار جنون العالم على هذه التقنية وأدى إلى إطلاق نداءات لعدم “إنتاج أطفال” بواسطة هذه التقنية قبل تحسينها وضمان الدقة والحصول على الموافقات التنظيمية وهذا سيستغرق سنوات. ختامًا، تُظهر التقديرات العالميّة أنَّ العيوب الخلقيّة أو الاضطرابات الوراثية تشهد ارتفاعًا في معدل حدوثها بين المواليد الأحياء في البلدان العربية مقارنةً بأوروبا وأمريكا الشمالية، حيث تتفاقم المشكلة بسبب الافتقار إلى خدمات وراثيّة موثوقة في معظم الدول العربيّة باستثناء القليل منها، لذلك نؤكد على أهمية نشر الوعي بالتشخيص الوراثيّ بصفةٍ عامّة كخطوة أوليّة، والذي أصبح مطلبًا إلزاميًا لا مفرّ منه وليس ترفًا معرفيًا، ففي وقتنا الحالي نستطيع منع حدوث الكثير من الأمراض لكي ينعم الجيل القادم بما وصل إليه العلم والعلماء، كما أنَّ الإرشاد الوراثيّ قد يكشف عن معلومات قيّمة تتعلق بمرضٍ وراثيّ ما في العائلة يمكن تجنب حدوثه أو الكشف عنه خلال الحمل.

سلسلة فحوصات ما قبل الولادة (3) : الفحص غير الجراحي – NIPT


هل تعلمين أنَّ أجزاءً من الحمض النووي لجنينك تسري في دمك؟

منذ وقت ليس ببعيد، كانت الطريقة الوحيدة لنعرف أي شيء عن الحمض النووي للجنين هي عن طريق إدخال إبرة معقمة طولها يُقارب الـ 20 سم لجمع خلايا الجنين من المشيمة أو السائل الأمينوسي المحيط به، وهي إجراءات تنطوي على مخاطرةٍ بسيطة بإجهاض الحمل، إلا أنَّ هذا الحال قد تغيّر بعد أن توصل العلماء  لطريقةٍ يتم من خلالها جمع أجزاء المواد الجينيّة الجنينيّة التي تسبح في دم الأم.

توجد قطع من الحمض النووي المتحررة تسبح مستقلةً خارج الخلايا والتي اكتشفها عالم الوراثة دنيس لو عام 1997عندما اكتشف وجود قطع من كروموسوم Y تسبح في بلازما النساء الحوامل بالأجنّة الذكور، فأطلق عليها اسم الحمض النوويّ الجنينيّ المُتحرر من الخلايا (Cell -free fetal DNA cffDNA) وهي في المقام الأول ذات أصل مشيميّ تم تسريبها في الأسابيع الأولى من الحمل لتطفو بدم الأُم بصحبة خلاياها، وهي أصغر بكثير من قطع الحمض النووي الحرّة الخاصة بالأُم، عادةً ما تتألف من أقل من 200 وحدة بناء نوكليوتيديّة، ويسمح هذا الاختلاف في الحجم بالتمييز بينهم. تختفي هذه القطع بسرعة بعد الولادة بساعاتٍ معدودة. ويتم تحديد مستويات cffDNA بعوامل متعددة، بما في ذلك عمر الحمل ووزنها وطريقة الاستخراج المتبعة.

اختبارات ما قبل الولادة غير الجراحية – NIPT

وبما أنَّ الحمض النووي في خلايا المشيمة عادةً ما يكون مطابقًا للحمض النووي للجنين، زاد ذلك من فرصة الكشف المبكر عن بعض التشوهات الجينية والاضطرابات الوراثية التي يمكن أن يعاني منها الجنين دون الإضرار به او بالأُم، ومنذ ذلك الحين تم ترجمة هذا الاكتشاف إلى نموذج جديد من اختبارات ما قبل الولادة تُدعى بالاختبارات غير الجراحية (Non-invasive prenatal testing-NIPT). ليصبح متاحًا تجاريًا عام 2011م، لذا فإنَّ هذا الاختبار هو اختبار دم من اختبارات التقصّي غير الجراحية -ولا يشكّل أي خطر على الجنين او الأم- وهو اختياريّ غير تشخيصي، ويمكن إجراؤه في وقتٍ مبكر من عمر الحمل أي في الأسبوع التاسع أو العاشر- ولكن من المعتاد أن يتم أخذ العينة تقريبًا في الأسبوع الثاني عشر أو بعد ذلك -، يوفر هذا الاختبار إمكانية الكشف بدقة عالية عن مشكلات الكروموسومات للجنين (aneuploidy)، ويبحث في حالات وراثية محددة؛ لهذا لا يُعدّ بديلًا عن اختبارات التشخيص في حال أظهر نتائج إيجابية ولكنّه يعدُّ خطوةً استباقية للتقنيات الجراحية (invasive prenatal diagnosis)، أما إذا كانت النتائج سلبية، فستستمر الحامل في إجراء فحوصات الحمل العادية والروتينة دون الحاجة إلى إجراء فحص الزغبات المشيمية CVS أو فحص السائل الأمنيوسي. ومما يجدر معرفته؛ هو أنَّ الكثير من دول العالم تجري عملية سحب السائل الأمنيوسي أو أخذ خزعة من الزغابات المشيمة لأي امرأة حامل لديها تاريخ عائلي مع الاضطراب الجيني أوسبق لها أنجاب طفل لديه خلل جيني أو كروموسومي، أو اللنساء اللواتي تجاوزن عمر الخامسة والثلاثين.

يُجرى هذا الاختبار بتقنية الجيل الجديد من تقنيات تسلسل الحمض النووي (تسلسل الجينوم)، والتي يمكنها أن تُظهر تعدّد أشكال الحمض النووي بين العيّنتين، والتي تتمثل بجمع عينة مصلية من دم الأم الحامل (فقط أُنبوبين بحجم 10 مليلتر)، يتم من خلالها عزل أجزاء من الحمض النووي (DNA) الحر الخاص بالجنين من بلازما الأم الحامل. يعتمد الفحص على عدّ قطع الحمض النووي الجيني المتحررة (الكروموسومات) ومن ثم تحديد نسبة أعدادها إلى بعضها البعض، إذ تسمح معرفة هذه النسب بحساب احتمالية كون الجنين مُصاب بمرضٍ ناتج عن خطأ في عدد كروموسوماته، من أهم الحالات التي يُساعد هذا الاختبار في اكتشافها هي متلازمة داون Down Syndrome))  بنسبة اكتشافٍ للمرض تصل  إلى أكثر من 99٪، بالإضافة لمتلازمة باتو 13 (Patau Syndrome)، ومتلازمة إدوارد (Edward syndrome). كما يوفر هذا الاختبار أيضًا معلومات عن وجود أي خلل في عدد الصبغات الوراثية المتعلقة بالكروموسومات الجنسية (X & Y) كمتلازمة كلاينفلتر (Klinefilter syndrome) أو متلازمة تيرنر (Turner syndrome) أو اضطرابات تطور الجنس (DSD – disorder of sex development). كما وتشمل التطبيقات السريرية المبكرة للاختبار حالات مرض الريسوس (عند عدم توافق العامل الريسوسي بين دم الأُم ودم طفلها)، وتحديد الجنس، مما يساعد بتشخيص الأمراض المرتبطة بكرموسوم X (X-linked disorders) و تضخم الغدة الكظرية الخلقي (congenital adrenal hyperplasia). ومن الجدير بالذكر أنَّ اختبارات ما قبل الولادة غير الجراحيّة NIPT قد بدأ استخدامها لاختبار الاضطرابات الوراثية التي تسببها الطفرات والتغيّرات بجين واحد (monogenetic disorders) كالتليّف الكيسي، مرض هنتنغتون، الثلاسيميا من نوع بيتا، فقر الدم المنجلي، وضمور العضلات، وبعض أنواع الصمم.

يضع العلماء نصب أعينهم -في وقتنا الحاضر- تطوير أبحاث غير جراحية خاصة بالجنين تساعدنا أكثر لاستراق السمع -إن جاز التعبير- على النشاط الجيني أثناء تطور الجنين، وكيف يتم توزيع التعليمات زمانيًّا ومكانيًّا، لمعرفة أيّ من الجينات يعمل، وأيها يتوقف عن العمل غير متناسين دور البيئة بعملها أو تعطيلها (epigenetic). وحاليًا، تقوم غالبية الدراسات بتحليل الجينوم بعد الولادة  (postnatal)، ولكن الباحثين يتلهفون في الوقت الراهن لاستخدام المناهج والطرق نفسها على الأجنّة في الأرحام (prenatal) باستخدام عينات دم مأخوذة من الأم الحامل.

مع تطور التكنولوجيا ووجود العديد من الشركات لتطوير تلك التقنيات وانخفاض تكلفة الاختبارات الجينية، يتوقع الباحثون أن اختبارات ما قبل الولادة غير الجراحيّة NIPT ستصبح متاحة للعديد من الحالات الوراثية. وحتى الآن لم يخضع هذا الاختبار للموافقة من منظمة الغذاء والدواءالأمريكية (FDA) لذلك فهو غير مشمول ضمن برامج التأمين الصحي في معظم دول العالم.

سلسلة سرطان الثدي (3) : الكشف المبكر

شهر تشرين الأول من كل عام هو شهر التّوعية بسرطان الثّدي، ويُعَرَفُ عالميًا «بأكتوبر الوردي»، حيث يتم فيه إطلاق حملات توعويّة لحثّ النساء على إجراء الفحص المبكر للكشف المبكّر عن سرطان الثّدي ذاتيًا أو التوّجه لإجراء الفحص السّريري أو فحص الماموغرام. ويُجرى فحص الماموغرام مجانًا في المراكز الصّحيّة الحكوميّة في الأردن لحاملي بطاقة التّأمين الصّحيّ الأبيض، وبكلفة رمزية لغيرهم، كما ويُجرى في المستشفيات الخاصة وفي مركز الحسين للسرطان.

ما هو الكشف المبكر عن سرطان الثدي؟

هو طريقة يستطيع فيها الأطباء الكشف عن وجود علامات مبكرة تدل على حدوث السرطان لدى السيدات اللواتي لم يسبق أن عانين من أي أعراض، ويحدث هذا عبر جهاز أشعة مختص يدعى بالماموغرام. يهدف الكشف المبكر إلى الكشف عن السرطان مبكرًا قبل أن يكبر أو ينتشر ويتسبب بمشاكل أكبر، وقد وجدت الدراسات أنَّ الكشف المبكر عن سرطان الثدي قد يجنّب السيدة العلاج بالأدوية الكيماوية ويزيد من فرص الشفاء التام. ويكون ذلك عبر الفحص الذاتي -الذي ذكرناه بالتفصيل في المقال الثاني-، والفحص السريري، وتصوير  الماموغرام.

ما هو الفحص السريري؟

هو فحص يُجرى للسيّدات قبل سن الأربعين من قبل الكادر الطبي المختص.

ما هو الفحص باستخدام الماموغرام؟

هو جهاز تصوير إشعاعي يسمح بالكشف عن سرطان الثدي قبل الإحساس بوجود كتلة أو ورم، ويُعدّ قليل الضرر لأنَّه يستخدم جرعات صغيرة من الأشعة. (3)

من هنّ السيدات اللواتي عليهّن إجراء الكشف المبكر؟

تختلف توصيات المختصين في هذا المجال، إلا أنَّ البرنامج الأردني لسرطان الثدي وضع الإرشادات التالية:

  • إذا كان عمرك بين 20-39، فينصح بإجراء الفحص الذاتي -كما تحدثنا بالمقال الثاني- بشكل شهري، بالإضافة إلى زيارة الطبيب لإجراء الفحص السريري مرة كل سنة إلى ثلاث سنوات.
  • أما إذا كتن عمرك يتراوح ما بين ال40-52 فينصح بإجراء الفحص الذاتي شهريًا، بالإضافة إلى زيارة الطبيب لإجراء الفحص السريري سنويًا وعمل صورة الماموغرام كل سنة أو سنتين.
  • أما السيدات ممن يبلغنَّ ال52 فأكثر، فيُنصح بإجراء الفحص الذاتي شهريًا وزيارة الطبيب لإجراء الفحص السريري سنويًا بالإضافة إلى صورة الماموغرام كل سنتين.

للمزيد من المعلومات يمكنكم الاتصال على الخط الساخن المجاني للبرنامج الأردني لسرطان الثدي عبر الرقم 080022246

سلسلة سرطان الثدي (2) : العلامات والأعراض والفحص الذاتي

ما هي علامات وأعراض سرطان الثدي؟

ذكرنا في مقال سابق أن سرطان الثدي يُعرّف بأنَّه نموّ غير طبيعيّ في خلايا الثدي، مما يؤدي إلى شعور المريضة بظهور كتلة أو ورم في الثدي أو تحت الإبط. يجب التنويه هنا إلى أنَّ وجود كتلة في الثدي لا يعني بالضرورة إصابة الشخص بسرطان الثدي، إلا أنَّها علامة مهمة يجب ألا يتم يجاهلها. وتجدر الإشارة إلى أنَّ معظم الكتل في الثدي هي حميدة وليست سرطانيّة. (2)

ومن الأعراض الأُخرى المهمة: التغيّر في شكل الثدي واختلافه عن الثدي الآخر، ونزول إفرازات من الحلمة، وانكماشها أوتراجعها إلى الداخل، وحدوث تغيّرات في جلد الثدي؛ كظهور نتوءات أو تجاويف صغيرة أشبه بتلك الموجودة على قشرة البرتقالة، وقد يحمرّ الجلد أيضًا.

من الممكن أن يكون الورم منتشرًا عند التّشخيص، وغالبًا ما ينتشر سرطان الثّدي إلى العظم، الكبد، الرّئة والدّماغ، وتتمثل أعراض انتشار المرض بآلام العظام وخصوصًا آلام الظهر، اليرقان، ضيق النّفس أو السعال، الصّداع والدّوار وخسارة الوزن بدون سبب واضح. لذلك فإنَّ الفحص الذاتي مهم جدًا للسيدات ويساعد في كشف هذه التغيّرات فور حدوثها.

كيف أقوم بفحص الثدي ذاتيًا؟

أولى خطوات الكشف المبكر هي الفحص الذاتيّ للثدي الذي يُنصَحُ بإجرائه شهريًّا، والذي يمكن أن تقوم به السيدة في المنزل خلال إحدى الأوقات التاليّة: (2)

1- أثناء الاستحمام

يمكن للسيدة أن تقوم به أثناء الاستحمام –حيث تقوم رغوة الصابون بتسهيل المهمة-؛ وذلك بأن ترفع يدها اليسرى فوق رأسها، ثم تقوم بفحص الثدي الأيسر بأصابع يدها اليمنى وتدور حول الثدي بأكمله باحثةً عن أيّة أورام أو انتفاخات من الخارج إلى الداخل، ومن ثم تكرر ذلك للثدي الآخر.

2- أمام المرآة

وذلك عن طريق وضع الأيدي جانبًا على الخصر وتدقيق النظر لأي تغيّراتٍ في شكل الثدي أو الجلد أو الحلمة، أو أي اختلافاتٍ بين الثديين كما ذكرنا سابقًا، ومن ثم رفع اليدين فوق الرأس وإعادة النظر مرة أخرى.

3- أثناء الاستلقاء على السرير

ضعي وسادةً أسفل كتفك الأيمن، وضعي ذراعك اليمنى أسفل رأسك، وباستخدام أصابع يدك اليسرى ابحثي عن أية انتفاخات أو أنسجة مُتَيَبِّسة بحركة دائرية حول الثدي بأكمله وتحت الإبط (الشكل 7). اضغطي بشكل خفيف ثم متوسط ثم قويّ للتأكد جيّدًا، ثم تأكدي من عدم خروج أية إفرازات غير طبيعيّة عند الضغط على الحلمة، ثم كرري ذلك للثدي الآخر.

في حال كانت هناك أي مشاهدات غير طبيعيّة، تجب زيارة طبيبك لتقييمها ومعاينتها جيّدًا.

سلسلة فحوصات ما قبل الولادة (2) : أنواعها

الموجات فوق الصوتيّة (السونار) – Ultrasonography/ultrasound

تستخدم الموجات فوق الصوتيّة عالية التردد لإنتاج صور مرئيّة من خلال نمط الصدى الذي تردده الأنسجة والأعضاء المختلفة للجنين في التجويف الأمينوسي، ويمكن البدء بتصوير الجنين  في حوالي الأسبوع السادس من عمر الحمل، وهو إجراءٌ آمن وغير ضار على الجنين والأم.
يساعد جهاز السبر بالصدى (السونار) في تحديد حجم الجنين وموقعه وحركاته، بالإضافة إلي إظهاره لعمر الحمل، وإمكانيّة تقييم التشوهات التي قد توجد لدى الجنين، كما يساعد السونار أيضًا في الإجراءات التشخيصيّة والعلاجيّة، ويمكّن الأطباء من تحقيق أفضل معاينة للأعضاء الداخليّة الرئيسيّة، والأطراف؛ وبالتالي الكشف عن وجود أي شيء غير طبيعيّ. يمكن إجراء السونار بين الأسبوع السادس عشر والأسبوع الثاني والعشرين من عمر الحمل.

ومن التشوهات الخلقيّة التي يمكن الكشف عن وجودها لدى الجنين عن طريق التصوير بالسونار : الشفة المشقوقة  (cleft lip)أو العيوب القلبيّة heart defects)). وتُستخدم أيضًا الأمواج فوق الصوتيّة خلال الثلث الأول من الحمل بين الأسبوع الحادي عشر والأسبوع الرابع عشر من الحمل للقيام باختبار الشفافية القفويّة Nuchal Translucency)) فيتم فحص المنطقة الخلفيّة من عنق الجنين؛ للتحرّي عن أيّ زيادة أو سماكة في السائل الموجود في هذه المنطقة، والذي قد يشير إلى خطرٍ مُحتَملٍ لحدوث متلازمة داون، حيث يكون قياس التصوير الطبقي للرقبة الخلفية في حالة متلازمة داون أكبر من القياس الطبيعي لها.

وفي الثلث الثالث والأخير من عمر الحمل يمكن التنبؤ بمدى احتمالية اللجوء إلى العملية القيصريّة وذلك اعتمادًا على موقع الجنين.

فحص السائل الأمينوسي – (Amniocentesis)

يعد فحص السائل الأمنيوسي أول اختبارٍ تشخيصيّ استُخدم لتحليل كرموسومات الجنين، ومع تقدم العلم أصبح القيام به أكثر أمانًا، فهو ما يزال المعيار الذهبيّ، ويُستخدم الآن لأغراضٍ متعددةٍ مثل: الفحص الجيني، والتحليل الحيوي الكيميائيّ بالإضافة لكونه يستخدم في تقييم وجود التهاب أو عدوى لدى الجنين.

 يتم إجراء فحص السائل الأمنيوسي في فترةٍ تتراوح بين الأسبوع الرابع عشر والأسبوع العشرين من عمر الحمل، ويُجرى عن طريق إدخال إبرة معقمة في الكيس الأمينوسي ثم سحب عيّنة صغيرة من السائل الأمينوسي الموجود في الرحم -يقوم جسم الحامل بتعويضها- حيث يحتوي هذا السائل على بعض الخلايا الجنينيّة (معظمها مشتقة من جلد الجنين)، ثم يتم فحصها في المختبر للكشف عن أي عيبٍ جينيّ أو جنسي في الجنين، ويستغرق الحصول على نتائج الفحص أسبوعين أو ثلاثة أسابيع.

ويعدّ هذا اختبارًا تشخيصيًا غير روتينيّ، فلا ينصح به إلا في حالاتٍ معيّنة، مثل: وجود نتائج غير طبيعية لجلسات التصوير بالموجات فوق الصوتيّة، أو انتماء الوالدين لخلفيات عِرقيّة معينة، أو وجود تاريخ عائليّ لأحد الاضطرابات الوراثيّة أو الاختلال الكرموسوميّ، والسبب الأكثر شيوعًا لإجرائه هو لمعرفة ما إذا كان الجنين يُعاني من متلازمة داون، خصوصًا إذا كان عمر المرأة الحامل فوق الخامسة والثلاثين.

كما يوجد العديد من الأمراض الوراثيّة الأخرى التي يمكن تشخيصها قبل الولادة  باستخدام اختبار السائل الأمنيوسي منها: أمراض الدم الوراثيّة كمرض فقر الدم المنجليّ، والثلاسيميا (أنيميا البحر المتوسط)، والهيموفيليا، بالإضافة إلى أمراض وراثية أخرى كالتليّف الكيسي (Cystic fibrosis) وعيوب الأنبوب العصبي ((NTDs.

فحص الزغابات المشيميّة – (Chorionic Villus Sampling CVS)

يتم إجراء هذا الفحص عادةً في وقتٍ مُبكر، أي أنه يُجرى في الثلث الأول من الحمل بين الأسبوع العاشر والأسبوع الرابع عشر من عمر الحمل، ويتم عن طريق أخذ عيّنة صغيرة من خلايا المشيمة، حيث يحتوي نسيج المشيمة على نفس المادة الوراثية التي يملكها الجنين، وتُستخدَم الأمواج فوق الصوتية للتوجيه، فيتم فحصها لمعرفة حقيقة وجود اختلالات كرموسوميّة أو اضطرابات وراثيّة. وتتمثل الفائدة الرئيسة من الاختبار بكونه يساعد في اتخاذ إجراءٍ مبكر بإنهاء الحمل (الإجهاض) خلال الأشهر الثلاث الأولى. مع التأكيد على أنَّ هذا الفحص لا يكتشف بعض الأشياء التي نكتشفها من خلال اختبار السائل الأمينوسي كعيوب الأنبوب العصبيّ، والتشوهات الخلقيّة، وعدم توافق العامل الرايزيسي ((Rh أي يكون دم الأم سلبي (-Rh) ودم الجنين إيجابي (+Rh)

وتقدّر نسبة حالات الإجهاض الناتجة عن إجراء فحص الزغبات المشيمية CVS) ) بحوالي واحد لكل خمسمائة حالة -وذلك بحسب أحدث التقديرات- وهي نسبة أعلى من نسبة الإجهاض الناتجة عن فحص السائل الأمينوسي التي تقدر بحوالي واحد لكل تسعمائة حالة؛ لذلك يجب أن يعرف الآباء -الذين يفكرون في إجراء فحص CVS) ) أو فحص السائل الأمنيوسي- جميع الفوائد والمخاطر الناتجة عنهما، كما يجب أن يُوضح لهما مخاطر نقل الاضطرابات الجينيّة إلى الجنين.

 

اختبار الحمض النووي الجنيني المتحرر من الخلايا – (Cell -free fetal DNA-cff DNA)

هو اختبار دم من اختبارات التقصّي ظهر حديثًا، فأصبح  متاحًا تجاريًا عام (2011) وهو اختبار اختياري وليس إلزاميًا، ويمكن إجراؤه في وقتٍ مبكر من عمر الحمل أي في الأسبوع العاشر، ونستطيع من خلاله معرفة جنس الجنين، كما يوفر إمكانية الكشف بدقةٍ عالية عن أي شذوذٍ في كروموسومات الجنين، ويبحث في حالات وراثية محددة؛ لهذا لا يُعدّ بديلًا عن اختبارات التشخيص في حال أظهر نتائج إيجابية. ويجرى هذا الاختبار بتقنية جديدة نسبيًا  تتمثل بجمع عينةٍ مصليّة من دم الأم الحامل، يتم من خلالها عزل أجزاء من الحمض النووي (DNA) الحر الخاص بالجنين من دم الأم الحامل (هو في المقام الأول ذي أصل مشيمي يتم تسريبه في الأسابيع الأولى من الحمل).

ومن أهم الأمراض الوراثية التي يكشف هذا الاختبار عنها هي:

  • متلازمة داون، أو التثلث الصبغيّ رقم 21 Down Syndrome)) ويعطي هذا الاختبار أعلى معدل كشف من بين جميع اختبارات الفحص المتاحة للكشف عن متلازمة داون حيث تصل نسبة اكتشاف الحالة إلى 99٪.
  • متلازمة باتو أو التثلث الصبغيّ رقم 13 (Patau Syndrome)، ومتلازمة إدوارد أو التثلث الصبغي رقم 18 (Edward syndrome).
  • كما يكشف الاختبار عن وجود أي خلل في عدد الصبغات الوراثية المتعلقة بالكروموسومات الجنسيّة (X & Y) كمتلازمة كلاينفلتر (Klinefilter syndrome) أو متلازمة تيرنر (Turner syndrome)

ومن الجدير بالذكر أنَّ كثيرًا من دول العالم  تجري عملية سحب السائل الأمينوسي أو أخذ خزعة من الزغابات المشيمة لأي امرأة حامل تجاوزت عمر الخامسة والثلاثين، ومع وجود فحص الـNIPT) )  فإنَّ عدد حالات الإجهاض سيقل كثيرًا؛ حيث أنَّ تلك الفحوص لن تُجرى إلا في حال وجود نتائج إيجابية لفحص الـNIPT) ) .وإلى الآن يعد هذا الاختبار غير مشمول ضمن برامج التأمين الصحي في معظم دول العالم.

كان اختبار النمط النّووي (karyotype تحليل الكرموسومات) على الخلايا المستزرعة من الزغابات المشيميّة أو السائل الأمنيوسي المكتسب قبل الولادة لسنواتٍ عديدة هو الطريقة الوحيدة المستخدمة، التي  يمكن من خلالها الكشف عن الاختلالات الكروموسوميّة -الإضافيّة أو المفقودة- أو التركيبة  إذا كان الحجم أكبر منmegabases (Mb) 10-5. بالإضافة لذلك أصبح بإمكان الاختبار الكشف عن التشوهات الكروموسومية التركيبيّة الأصغر، وذلك باستخدام ما يسمى تحليل الفيش (fluorescence in situ hybridization (FISH)، ولكنها تتطلب المعرفة الدقيقة بموضع اهتمام الدراسة، ويمكن فقط التحقق من عدد قليل من المواقع في تجربة واحدة لتأكيد خلوّها من أمراض وراثية محددة. لقد أدّى إدخال تقنيات جديدة إلى تغيير جذري في الممارسة الحالية للفحص، وأيضًا في تشخيص التشوهات الوراثية للجنين قبل الولادة، حيث لم يكن من المتصور إجراؤها قبل أعوامٍ قليلة.

ويمكن للتكنولوجيا الحديثة إجراء التهجين الجينومي المقارن (comparative genomic hybridization-array) وتسلسل الجينوم (whole-exome sequencing) كما يمكن تشخيص حالات وراثية نادرة أكثر من السابق، واكتشاف أسباب الإعاقة الذهنيّة، والعيوب الخلقيّة بما في ذلك العديد من الاضطرابات التي لا يمكن فحصها بالاختبارات السابقة كاضطرابات الجين الواحد (single-gene disorders)، كل هذه الاختبارات لها فوائد وقيود، وأصبحت الفحوص و الاستشارات الوراثية ركنًا أساسيًا يُسهم في توجيه قرارات المرضى حول الفحص والاختبار قبل وأثناء الحمل، كما ستمثل جزءًا هامًا في صحة المرأة الإنجابيّة وصحة طفلها.

سلسلة سرطان الثدي (1) : ما هو سرطان الثدي؟

ما هو سرطان الثّدي؟

يحدث سرطان الثدي عندما تنمو خلايا الثدي وتتكاثر بشكلٍ خارج عن سيطرة الجسم، مكوّنة ورمًا سرطانيًّا يمكن الإحساس به ككتلة، أو رؤيته بواسطة صور الأشعة.وكأي نوع سرطانٍ آخر، يعتبر الورم السرطاني في الثدي خبيثًا إذا كانت له القدرة على الانتشار للأنسجة المجاورة، أو الانتشار إلى جزءٍ آخر في الجسم. يمكن أن تنتقل خلايا السرطان عبر الدّم أو عبر السائل الليمفاويّ إلى أجزاءٍ أخرى في الجسم كالعقد الليمفاوية، أو العظم، أو الكبد، أو الرئة أو الدّماغ.

ما هي معدلات انتشاره؟

يحتلُّ سرطانُ الثّدي المركزَ الأولَ من حيث الانتشار عند الإناث في الأردن وعلى مستوى العالم، ويُصَنَّفُ كثاني السّرطانات المسببة للوفاة بعد سرطان الرّئة. يصيبُ هذا السّرطان في الغالب النّساء بعد سن الأربعين، كما يُصيب الذكور أيضًا، إذ تشكّل حالات إصابة الرجال بسرطان الثدي 1% من مجموع حالات الإصابة.

يزداد خطر الإصابة بسرطان الثّدي عند تقدّمُ العمر، والبلوغُ المبكر للفتاة، وتأخّر انقطاع الطّمث، وتأخّر الإنجاب، والتّعرض للإشعاع ، والسّمنة، والتّدخين. كما يلعب التّاريخ العائليّ للمرض دورًا في احتمال الإصابة بسرطان الثّدي؛ في حين تقي الرّضاعة الطّبيعية والإنجاب المبكّر من الإصابة به.

سلسلة فحوصات ما قبل الولادة (1) : أهميتها وما وصلت إليه

يموتُ الملايين من الرُّضع حول العالم خلال الشهر الأوّل الذي يلي ولادتهم؛ يرجع ذلك إلى وجود تشوّهاتٍ خَلقيةٍ في أجسامهم، والتي تُعَدُّ السبب الرئيسي لوفاةِ الرُّضع بشكلٍ خاص وواحدٍ من الأسباب الرئيسيّة لوفاة الأطفال بشكلٍ عام.
تشير الإحصائيات إلى أنَّ ما نسبته من 3 – 5% من المواليد سنويًا يتأثرونَ بالتشوهات الولادية الخلقيّة (العيوب الخلقية) أو الاضطراباتِ الوراثيّةِ التي قد تحدث خلال أيّ مرحلةٍ من مراحلِ الحمل، لكنّ أغلبها يحصلُ خلال الثلث الأول من الحمل -عندما تكون أعضاء الجنين في مرحلةِ التطور- وقد تؤدي إلى الإجهاض.
حتى يومنا هذا؛ لم يُعرف السبب خلف كثيرٍ من العيوب الخَلقيّة، إلا أنَّنا نعرف على الأقل كيفيّة الحدّ من حدوث بعضها وذلك باتخاذ التدابير الوقائيّة اللازمة قبل الحمل وفي أثنائه، ولا تقتصرُ التدابير الوقائيّة على اتباع نمط حياةٍ صحيّ -وذلك بتجنب الكحول والتدخين أثناء الحمل، وأخذ الكميّات اللازمة من حمضِ الفوليك والفيتامينات والمعادن الأخرى- بل تشمل التدابير أيضًا ضرورة نشر ثقافة إجراء الفحوصات التشخيصيّة في مرحلة الحمل فلذلك أهميّة لا يُستهان بها؛ فالحصول على تشخيصٍ للحامل والجنين هي الطريقة المثلى التي تُمكّن الطبيب من معرفة ما إذا كان الجنين سيعاني من مشكلةٍ أثناء مراحل الحمل.

أهميّة إجراء فحص ما قبل الولادة

تكمنُ أهميّة إجراء التشخيص قبل الولادة في عددٍ من الأمور، فمن خلاله مثلاً نستطيع تحديد عدد الأجنّة، ومعرفة عمرها وجنسها، وتقييم حالتها الصحيّة ومتابعتها، أي أنّنا نستطيع -بكلماتٍ أُخرى- إدارة الأسابيع المتبقيّة من الحمل، وبالتالي نستطيع الوقايّة من فقدان الجنين، بالإضافة إلى أنَّ فحوصات ما قبل الولادة تساعد مُقدمي الرعاية والمرضى على اتخاذ القرارات اللازمة لتقديم الرعاية المُثلى للأُم وجنينها، بحيث يتم علاج أو تجنب بعض المشاكل قبل الولادة، وقد يتطلب ذلك إجراء المزيد من الاختبارات التشخيصيّة، والحصول على الاستشارة الوراثيّة من المتخصصين، وبالتالي يمكن التخطيط لمواجهة المضاعفات المحتملة أثناء عملية الولادة، أو التنبؤ بالمشكلات الصحيّة التي قد تصاحب الطفل منذ ولادته، كل ذلك يساعد الأبوين على اتخاذ قرارهم  بشأن مواصلة الحمل أو إجهاضه، وفي بعض الحالات يؤهلهما نفسيًا، ويساعدهما على التخطيط وتحضير أنفسهم لاستقبال المولود الذي قد تكون لديه احتياجات خاصة تجب مراعاتها، ومن غير المعرفة المكتسبة من التشخيص ما قبل الولادة، يمكن أن يكون هناك نتيجة غير مرغوبة للجنين أو الأم أو كليها معًا؛ وبالتالي لا يمكن تلافي أي أضرار قد تحصل.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ هناك مجموعات متعددة من التقنيات المتاحة لعمل تشخيص ما قبل الولادة، ويمكن تطبيق كل منها فقط في فتراتٍ زمنيّةٍ محددة أثناء الحمل، وذلك للحصول على الفائدة المرجوّة. ومع التطوّراتِ التكنولوجيّة الحديثة في تحديد التشوهات أو الاعتلالات الكرموسميّة (العدديّة أو التركيبيّة)، أو تحديد طفرة جينيّة واحدة بأحد الجينات، أصبح فحص وتشخيص التشوهات الوراثيّة للجنين يتطور تطورًا سريعًا غير مسبوق.

متى يجب اللجوء لفحص ما قبل الولادة؟

يتحتم إجراء تشخيصات ما قبل الولادة عندما يكون هناك احتمال بإمكانيّة إصابة الجنين باضطرابات وراثيّة أو عيوب خلقيّة، ومن الأمثلة على ذلك: إذا كان الأبوين مصابين بالمرض، أو كانا حاملين لاضطرابٍ وراثيّ، مثل مرض التليّف الكيسيّ (cystic fibrosis) أو مرض تاي زاكس (Tay-Sachs). من الحالات الأُخرى التي تتطلب إجراء هذه الاختبارات، هي أن يكون عمر الأُم الحامل 35 عامًا فأكثر، حيث يعتبر ذلك عامل  خطر قد يتسبب بولادة طفلٍ يُعاني من خللٍ في الكروموسومات، ينتج عنه إصابته بمتلازمة داون مثلاً أو غيرها من الاضطرابات الكرموسوميّة.

ونحتاج إجراء الاختبارات التشخيصيّة أيضًا في حال أظهرت إحدى اختبارات فحص التقصي مشكلةً أو أظهرت أحد الفحوصات الكيميائيّة الحيويّة نتيجة مؤكدة على وجود خللٍ ما، وكذلك في حال وجود طفل آخر للأم مصاب بمتلازمة داون أو اضطرابٍ آخر كالسِّنسِنَة المشقوقة (spina bifida) على سبيل المثال.


مقارنة بين اختبارات التقصي واختبارات التشخيص

 

اختبارات الفحص (التقصي)  Screening test

يُجرى عادةً هذا النوع من الاختبارات خلال الثلث الأول من الحمل، تحديدًا بين الأسبوع العاشر والأسبوع الثالث عشر، ونستطيع من خلالهِ معرفة مدى ارتفاع أو انخفاض نسبة وجود التشوهات الخلقيّة أو الشذوذات الكروموسوميّة عند الجنين، ومن الضروريّ التأكيد على أنَّ هذا الاختبار لا يُعطي إجابةً مؤكدة ب “نعم” أو “لا”؛ لذلك ينبغي على الأم الحامل عدم اتّخاذ أي قرار بشأن الحمل بناءً على إيجابيّة الفحص فقط من دون اللجوء إلى الاختبار التشخيصيّ لتأكيد التشخيص أو نفيه.

 لا توجد أيّة مضاعفات صحيّة أو جسميّة ناتجة عن القيامِ بهذا النوع من الاختبارات، فلا تزيد نسبة خطر الإجهاض بسببه كما قد يُشاع، لذلك يجب القيام به قبل اللجوء إلى الاختبار التشخيصيّ.

 

اختبارات التشخيص Diagnostic test

الاختبار التشخيصيّ هو اختبار يُحدد ما إذا كانت الحالة الطبيّة موجودة بنسبة دقة تصلُ إلى (100٪). الاختباران التشخيصيان الرئيسيان اللذان يستخدمان لتشخيص الحالات الوراثيّة قبل الولادة هما: أخذ عيّنه من السائل الامنيوسي أو أخذ عيّنة من الزغابات المشيميّة، واللذان سوف نذكرهما بالتفصيل في المقال القادم. مع التأكيد على أنَّ هناك خطورة ناجمة عن المضاعفات جرّاء عمل الاختبارات التشخيصيّة، قد تصل إلى التسبب بالإجهاض ولكن بنسب قليلة جدًا