سلسلة مناعة القطيع (4): كيف ساهم العلم في تطوير مناعة القطيع؟

تحدثنا عن مفهوم مناعة القطيع (اضغط هنا لزيارة مقال: ما هي مناعة القطيع؟)، وآثارها على المجتمع (اضغط هنا لزيارة مقال: ما هي آثار مناعة القطيع على المجتمع؟)، وعرفنا كيفية معرفة نسبة الأفراد المحصّنين اللازمة للوصول إلى مناعة القطيع (اضغط هنا لزيارة المقال: ما هي نسبة الأفراد المحصّنين اللّازمة للوصول إلى مناعة القطيع؟)، لكن كيف ساهم التقدم العلميّ في تطوير مناعة القطيع؟

التاريخ

على الرغم من أن مناعة القطيع قد وصفت لأول مرة عام 1923 م، إلا أنها اكتُشفت لأول مرة كظاهرة تحدث طبيعيًا في عام 1930م عندما نشرت A. W. Hedrich البحوث حول انتشار وباء الحصبة في منطقة بالتيمور، ولوحظ أن عدد الإصابات الجديدة انخفضت بشكل مؤقت بما في ذلك بين الأطفال المُعرَّضين للإصابة وذلك بعد أن أصبح العديد من الأطفال محصنين ضد الحصبة، وعلى الرغم من هذه المعرفة إلا أنّ الجهود المبذولة للسيطرة والقضاء على الحصبة كانت غير ناجحة حتى بدأ التطعيم الشامل باستخدام لقاح الحصبة عام 1960م، كما أن التطعيم الشامل والمناقشات لاستئصال المرض وتحليل المنافع والتكاليف للتطعيم في ما بعد شجعت الاستخدام واسع النطاق لمصطلح مناعة القطيع. وتم تطوير النظرية المستخدمة لحساب عتبة مناعة القطيع في السبعينات من القرن الماضي خلال حملة القضاء على الجدري، وبدأت ممارسة التطعيم الدائري -منع انتشار الأمراض من خلال تطعيم الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة- والتي تتممها مناعة القطيع؛ كوسيلة لتحصين كل شخص في الحلقة حول الفرد المصاب لمنع تفشي المرض من الانتشار.
إذًا فإن تعزيزات العلم لمناعة القطيع تتمثل بكلٍّ من:

التلقيح

إن الطريقة الأساسية لتعزيز مستويات المناعة في السكان هي التلقيح، ويستند استخدامها بشكل أساسي عندما لوحظ بأن حالبات الأبقار (السيدات اللواتي يقمن بعملية الحلب) واللواتي يتعرضن لجدري البقر كنّ محصناتٍ ضد الجدري البشري، ولذلك بدأ ممارسة تلقيح الناس ضد فيروس جدري البقر كوسيلة لمنع حدوث حالات الجدري.

 توفر اللقاحات جيدة التطور الحماية أكثر أمانًا بكثير من العدوى الطبيعية لأن هذه اللقاحات عادة لا تسبب الأمراض التي توفر الحماية ضدها، بالإضافة إلى أن الآثار الضارة أقل شيوعًا بشكل ملحوظ من المضاعفات الناتجة عن العدوى الطبيعية.  حيث لا يميز الجهاز المناعي الفرق بين العدوى الطبيعية واللقاحات و يشكل استجابة فعالة لكليهما على حد سواء، لذلك فإن المناعة المُحدَثة “المحرّضة”عن طريق التطعيم مماثلة للمناعة التي قد تحدث نتيجة الإصابة والشفاء من المرض، ومن أجل تحقيق مناعة القطيع من خلال التطعيم تهدف الشركات المصنعة للقاحات لإنتاج لقاحات بمعدلات فشل منخفضة، كما يهدف أصحاب القرار السياسي إلى تشجيع استخدامها. ويمكن ملاحظة الانخفاضات الحادة في معدلات الإصابة بالأمراض التي يحمي ضدها ولزومًا أيضا انخفاض عدد حالات الاستشفاء (الدخول إلى المستشفى للمعالجة) والوفيات الناتجة عن هذا المرض، وذلك بعد الإدخال الناجح والاستخدام واسع النطاق للقاح. وبافتراض أن اللقاح فعال 100%، بإمكاننا استخدام المعادلة المستخدمة لحساب عتبة مناعة القطيع لحساب مستوى التطعيم اللازم للقضاء على المرض والتي  تكتب (Vc). مع ذلك عادة ما تكون اللقاحات غير مكتملة “ناقصة” لذلك فإن فاعلية اللقاح E يجب أخذها بالاعتبار:

Vc=1-11R0E
من المعادلة بإمكاننا ملاحظة أن الفعالية E أقل من  (1 − 1/R0) لذلك سيكون من المستحيل القضاء على المرض حتى إذا تم تطعيم جميع السكان، وبالمثل تضاؤل المناعة التي يسببها اللقاح، كما يحدث مع لقاح السعال الديكي اللا خلوي الذي يتطلب مستويات أعلى من التطعيم المعزز من أجل الابقاء على مناعة القطيع. إذا توقف المرض عن أن يكون مستوطنًا “متفشيًا” في عدد من السكان فإن العدوى الطبيعية لن تساهم في خفض الجزء المعرض من السكان بل فقط التطعيم سوف يساهم في هذا الانخفاض. يمكن إظهار العلاقة بين التغطية اللقاحية والفعالية وحدوث المرض بواسطة طرح نتيجة فعالية اللقاح ونسبة السكان الذين تم تطعيمهم  pv من معادلة عتبة مناعة القطيع على النحو التالي:
1-1R0-(E×pv ).


من المعادلة يمكن ملاحظة أنه مع ثبات العوامل الأخرى فإن أي زيادة في أي من التغطية اللقاحية أو فعالية اللقاح بما في ذلك أي زيادة تتجاوز عتبة مناعة القطيع للمرض فإن ذلك يقلل من عدد حالات المرض بدرجة كبيرة. 

يعتمد معدل الانخفاض في الحالات على  R0للمرض؛ حيث تعاني الأمراض ذات القيم المنخفضة ل R0انخفاضات أكثر حدة. تمتلك اللقاحات عادة على الأقل مانعًا لاستخدامها لمجموعة محددة من السكان وذلك لأسباب طبية؛ لذلك من الضروري لكل من التغطية والفعالية أن تكون مرتفعة لتنشأ حصانة القطيع لحماية هؤلاء الأفراد. في كثير من الأحيان تتأثر فعالية اللقاح عكسيًا بالمناعة السلبية لذلك يوصى بجرعات إضافية لبعض اللقاحات في حين لا تصرف الأخرى إلى بعد أن يفقد الفرد مناعته السلبية.

المناعة السلبية

بالإمكان الحصول على المناعة الفردية بشكلٍ سلبيّ، حيث يتم نقل الأجسام المضادة للكائن أو العامل الممرض من فرد إلى آخر. يمكن أن يحدث هذا بشكل طبيعي حيث يتم نقل الأجسام المضادة إلى الأجنة والأطفال حديثي الولادة من الأم عبر المشيمة واللبأ – وهو أول حليب للأم عقب الولادة-، كما يمكن أن الحصول على المناعة صناعيًا عند حقن الأجسام المضادة المستخلصة من المصل أو البلازما للفرد المُحصَّن إلى  الشخص المُعرَّض للعدوى.  تعتبر الحماية الناتجة عن المناعة السلبية فورية “عاجلة” وتتضاءل على مدى أسابيع أو شهور لذلك أي مساهمة من المناعة السلبية لمناعة القطيع هي مؤقتة وقد يتم تحصين النساء الحوامل من أجل نقل الأجسام المضادة للطفل للحماية من الأمراض الخطرة خاصة بين الأجنة والأطفال حديثي الولادة مثل الإنفلونزا والكزاز. وبنفس الطريقة الفئات عالية الخطورة التي إما أن تكون أكثر عرضة للعدوى أو أكثر عرضة لتطور مضاعفات العدوى قد تتلقى تحضيرات من الأجسام المضادة لمنع هذه العدوى أو للتخفيف من شدة الأعراض.

التعقيدات والتحديات

نشأت التعقيدات والتحديات التي تواجه مناعة القطيع منذ اعتماد التطعيم الشامل والتطعيم الحلقي.  حيث وضع النموذج المقترح  لانتشار الأمراض المعدية عددًا من الافتراضات مثل أن السكان بأكملهم بشكل يختلطون بشكل جيد/ فعال وهذا في الواقع ليس له وجود، لذلك تم تطوير معادلات أكثر دقة. في العقود الأخيرة وُجِدَ أنّ السُّلالة السائدة من الكائنات الحية حقيقية النواة في الدورة الدموية قد تتغير بسبب مناعة القطيع وذلك إما بسبب مناعة القطيع التي تقوم بدور الضغط التطوري أو بسبب مناعة القطيع التي تكون ضد سلالة واحدة مما يسمح لسلالة آخرى موجودة مسبقًا بالانتشار. 

حالات الإصابة بالحصبة في الولايات المتحدة 1938 – 2019

سلسلة مناعة القطيع (3): ما هي نسبة الأفراد المحصّنين اللّازمة للوصول إلى مناعة القطيع؟

تحدثنا في المقالين السابقين عن مفهوم مناعة القطيع (اضغط هنا لزيارة مقال: ما هي مناعة القطيع؟)، وآثارها على المجتمع (اضغط هنا لزيارة مقال: ما هي آثار مناعة القطيع على المجتمع؟)، كما ووضّحنا أن هناك وسائل عديدة للوصول إلى مناعة القطيع، فكيف يمكننا أن نعرف ما هي نسبة الأفراد المحصّنين اللازمة للوصول إلى مناعة القطيع؟

 

آلية الحساب


يعمل الأفراد الذين يمتلكون المناعة ضد مرض ما كحاجز لانتشار هذا المرض حيث تعمل على إبطاء أو منع انتقال المرض إلى الآخرين. ويمكن اكتساب مناعة الأفراد إما عن طريق الإصابات أو العدوى الطبيعية أو بطرق صناعية مثل اللقاحات. عندما يصبح نسبة هامة “نسبة حرجة ” من السكان ذوي مناعة “محصنين ” ويطلق عليه  عتبة مناعة القطيع (HIT) أو مستوى مناعة القطيع (HIL) ؛ فإن هذا المرض قد لا يستمر في السكان ويتوقف عن كونه مرضًا مستوطنًا، ويمكن حساب هذه العتبة عن طريق أخذ R0  عدد الاستنساخ “الإنتاج” الأساسي (basic reproduction number) أو متوسط عدد الإصابات الجديدة الناتجة عن كل حالة في قطاع سكاني معرض بالكامل “متجانس أو جيد  المزج” -مما يعني أنه بإمكان كل فرد أن يكون على اتصال مع كل فرد آخر معرض للإصابة في هذا القطاع السكاني-، وتضرب في (S) نسبة السكان المعرضون للإصابة
R0S=1

يمكن إعادة كتابة الـS كالتالي (1 – p) لان  p هي نسبة السكان ذوي المناعة و p + S تساوي واحد ولذلك يمكن إعادة ترتيب المعادلة لوضع p  بنفسها على النحو التالي:

R0 1 – p=1, 1 – p=1R0 ,  pc=1-1R0

إذا كتبت  p بحد ذاتها على الجانب الأيمن من المعادلة، ويمكن ان تُكتَب الآن كالتالي  pc لتمثيل النسبة الحرجة من السكان اللازمة ليصبحوا محصنين  لوقف انتشار المرض أو عتبة مناعة القطيع. كما تعمل R0 كمقياس لقابلية العدوى حيث ترتبط قيم R0 المنخفضة بحاجة  أقل لعتبة مناعة القطيع (HITs)، بينما تتطلب قيم أعلى لـ R0 لعتبة مناعة قطيع (HITs) أعلى. على سبيل المثال، إذا كانت (R0) لمرض ما 2 فإن عتبة مناعة القطيع المحتاجة نظريًا للقضاء عليه تساوي 50% فقط بينما تساوي عتبة مناعة القطيع المحتاجة 90% لمرض ما إذا كانت R0 تساوي 10.  هذه الحسابات بافتراض أن جميع السكان معرضون مما يعني أن الأفراد لا يمتلكون مناعة ضد الأمراض، بينما في الواقع تمتلك نسب متفاوتة من السكان مناعة ضد أي مرض معين في أي وقت. ولتفسير ذلك فإن عدد الإنتاج الفعال  Re وتكتب ايضا  Rt أو متوسط عدد الاصابات الناتجة في الوقت (t) يمكن حسابه عن طريق ضرب R0 في الجزء (الكسر) من السكان الذين لا يزالون معرضين. عندما تقل قيمة (Re ) أو تثبت إلى أقل من 1 فإن عدد الحالات التي تحدث في أوساط السكان تنخفض تدريجيًا إلى أن يتم القضاء على المرض. إذا كانت مناعة التجمع السكاني ضد مرض ما تتجاوز عتبة مناعة القطيع لهذا المرض، فإن عدد الحالات سوف يقل بمعدل أسرع كما أن انتشار المرض سيكون أقل. إذا زادت قيمة Re عن 1 فإن المرض ليس بحالة مستقرة كما أنه ليس هناك انخفاض في معدل حدوث الإصابات، بل ينتشر بصورة نشطة خلال السكان ويصيب عددًا أكثر من المعتاد.

الفرضية الثانية التي قدمتها الحسابات هو أن القطاع السكاني المتجانس أو جيد المزج -مما يعني أن كل فرد يكون على اتصال واحتكاك مع كل فرد أخر-. بينما في الحقيقة يمكن وصف السكان بشكل أفضل كالشبكات الاجتماعية حيث يميل الأفراد إلى التجمع معا كما يبقون على اتصال وثيق نسبيًا مع عدد محدود من الآخرين. يحدث الانتقال في هذه الشبكات فقط بين الأفراد القريبين من بعضهم جغرافيًا أو جسديًا. ومن المحتمل أن يغير شكل وحجم الشبكة عتبة مناعة القطيع (HIT) للمرض، مما يجعل حدوث الإصابات أكثر أو أقل شيوعًا.    
في القطاع السكاني غير المتجانس تعتبر R0 الآن كمقياس لعدد الحالات الناتجة بواسطة شخص مصاب “نموذجي” والذي يعتمد على كيفية تفاعل الأفراد داخل الشبكة مع بعضها البعض. حيث تعتبر التفاعلات داخل الشبكات أكثر شيوعًا من التفاعلات بين الشبكات، وفي هذه الحالة فإن الشبكات الأكثر اتصالًا سوف تنقل الأمراض بشكل أكثر سهولة مما يؤدي إلى قيم أعلى لـ R0  وHIT من تلك اللازمة في الشبكات الأقل اتصالًا.  قد تستمر الأمراض في الشبكات التي لا تختار أن تصبح محصنة، أو لم يتم تحصينها بشكل كافٍ على الرغم من عدم وجودها في الشبكات الأفضل تحصينًا. 

القيم المقدرة لـ R0  و HIT للأمراض المعدية المعروفة:

الركوب المجاني (الركوب الحر)


تتعرض مناعة القطيع لمشاكل الركوب الحر  free rider من قبل الأفراد غير المحصّنين من الأمراض، وبالمقام الأول من قبل أولئك الذين يختارون عدم التطعيم. يطفئ الركوب الحر مناعة القطيع التي تم إنشاؤها بواسطة المحصَّنين، وكلما ازداد عدد الراكبين الأحرار في عدد من السكان فإن انتشار الأمراض التي يمكن الوقاية منها يصبح أكثر شيوعًا وأكثر شدة. قد يختار الأفراد الركوب الحر لمجموعة متنوعة من الأسباب منها: المسايرة والإمّعية (تأثير المحاكاة)، والتفكير الجماعي والمعايير الاجتماعية وضغط الرفاق، والمعتقدات الدينية، وفعالية اللقاح المتصورة، وعدم الثقة باللقاحات أو مسؤولي الصحة العامة، والاعتقاد بأن المخاطر المرتبطة باللقاحات أكبر من تلك المخاطر المرتبطة بالعدوى.
يزداد الركوب الحر إذا كانت معدلات التطعيم مرتفعة بما يكفي لإقناع شخص بأنه قد لا يحتاج أن يكون محصنًا لأن عددًا كافيًا من الأفراد الآخرين في المجتمع قد تحصّنوا، لكن إذا قرّر عدد كبير من الناس في المجتمع أن يركبوا بشكل حر فسوف يؤدي ذلك إلى فقدان المجتمع لمناعة القطيع.

انقر هنا لقراءة مقالنا التالي: كيف ساهم العلم في تطوير مناعة القطيع؟

سلسلة مناعة القطيع (2): ما هي آثار مناعة القطيع؟

ما هي مناعة القطيع؟ 

كما ذكرنا في المقال السابق (اضغط هنا لقراءة مقال ما هي مناعة القطيع؟)، فإن مناعة القطيع (أيضًا يطلق عليها التأثير القطيعي، المناعة المجتمعية، المناعة السكانية أو المناعة الاجتماعية) هي شكل من أشكال الحماية غير المباشرة من الأمراض المعدية، والتي تحدث عندما تصبح نسبة كبيرة من المجتمع محصّنة وتمتلك المناعة ضد العدوى؛ فتضطرب سلاسل العدوى، ويتوقف انتشار العدوى أو يبطأ، وبالتالي يتوفر قدر من الحماية للأفراد الذين لم يتم تحصينهم،  وكلما زادت نسبة الأفراد ذوي المناعة في المجتمع فإن احتمال احتكاك الأفراد عديمي المناعة مع الأفراد المصابين بالعدوى يقلّ أكثر.

يكتسب الأفراد المناعة من الأمراض المعدية إمّا عبر الإصابة بعدوى المرض واستجابة الجسم بتكوين أجسام مضادة بشكل طبيعيّ، أو من خلال طرق صناعية مثل اللقاحات. بعض الأفراد لا يستطيعون أن يصبحوا محصّنين نتيجة لأسباب طبية وتعتبر مناعة القطيع طريقة مهمة لحماية هذه المجموعة. 

مع زيادة نسبة الأفراد المحصّنين ضد مرضٍ ما بالمناعة الفرديّة إلى أن تصل إلى حدّ معيّن يُدعى (العتبة)، سوف تقضي مناعة القطيع تدريجيًا على ذلك المرض المعدي بين السكان، وإذا تحقّق هذا القضاء في جميع أنحاء العالم، فهذا قد يؤدي إلى انخفاض دائم في عدد الإصابات إلى الصفر، وهو ما يُسمى بالاستئصال. وقد استخدمت هذه الطريقة لاستئصال الجدري عام 1977م، وللقضاء الإقليمي على أمراض أخرى. 

مرة أخرى، مناعة القطيع لا تنطبق على جميع الأمراض، فقط تنطبق على تلك التي تكون معدية -التي يمكن أن تنتقل من فرد إلى آخر-؛ على سبيل المثال مرض الكزاز يعتبر إصابة لكنه غير معدٍ؛ لذلك لا تنطبق عليه مناعة القطيع.

تم استخدام مصطلح مناعة القطيع لأول مرة عام  1923، وتم اكتشافها كظاهرة تحدث طبيعيًا في الثلاثينيّات من القرن الماضي عندما لوحظ أنه بعد أن أصبح عدد كبير من الأطفال محصّنين (لديهم مناعة) ضد الحصبة، انخفض عدد الإصابات الجديدة بشكل مؤقت بما في ذلك الأطفال المعرضين لخطر الإصابة أو العدوى. منذ ذلك أصبح التطعيم الجماعي “الشامل” لتحفيز مناعة القطيع شائعًا وثبت نجاحه في منع انتشار العديد من الأمراض المعدية. 

شكلت المعارضة للتطعيم تحديًا لمناعة القطيع، مما سمح للأمراض التي يمكن الوقاية منها بالتطعيم بالاستمرار أو العودة إلى المجتمعات التي لديها معدلات تطعيم غير كافية.                                                                                       

بعد أن عرّفنا مناعة القطيع، ما هي آثارها على المجتمع؟


1- حماية الأفراد عديمي المناعة


يعتمد بعض الأفراد على مناعة القطيع إما لعدم قدرتهم على تطوير المناعة بسبب وجود أمراض في مناعتهم، أو بسبب عدم قدرتهم على أخذ اللقاحات لأسباب طبية؛ حيث يعتبر الأطفال حديثو الولادة أصغر من أن يتلقوا العديد من اللقاحات لأسباب تتعلق بالسلامة أو لأن المناعة السلبية تجعل اللقاح غير فعّال.

قد يفقد الأفراد الذين يعانون من  نقص المناعة (مثل فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) وسرطان الغدد الليمفاوية وسرطان الدم وسرطان نخاع العظم والطحال الضعيف والعلاج الكيماوي أو العلاج الإشعاعي) أي مناعة قد اكتسبوها مسبقًا، كما أن اللقاحات قد لا تُستخدَم  لهم، أو لا تفيدهم لنقص مناعتهم؛ فقد لا يولّد جهازهم المناعي الاستجابة المناعية للقاحات الكافية لمنحهم مناعة على المدى الطويل.

وأخيرًا، وجود موانع طبية -كما ذكرنا- قد يحول دون أخذ بعض الفئات من السكان للّقاحات، فيكونون بخطر أكبر لحدوث المضاعفات الناجمة عن الإصابة بسبب حالتهم الصحيّة، لذلك فهم يعتمدون بشكل عام على مناعة القطيع أكثر من الآخرين الذين باستطاعتهم ان يصبحوا بأمان عن طريق التطعيم. 

يمكن لمستويات عالية من المناعة في فئة عمرية محددة أن تخلق مناعة القطيع للفئات العمرية الأخرى، فتطعيم البالغين ضد السعال الديكي يقلل من حدوث السعال الديكي لدى الرُّضَّع؛ حيث أنهم المعرّضون لخطر حدوث مضاعفات أسوأ عند الإصابة. وهذا أمر مهم خاصة بالنسبة لأفراد الأسرة المقربين حيث يشكلون أكثر وسائل انتقال العدوى إلى الأطفال الصغار. وبنفس الطريقة، الأطفال الذين يتلقون اللقاحات ضد المكورات الرئوية يقللون من حدوث مرض المكورات الرئوية بين الأصغر سنًا والأشقّاء غير المحصنين. أمّا تطعيم الأطفال ضد المكورات الرئوية وفيروس روتا كان له تأثير في خفض حالات الإدخال إلى المستشفى لكل من  المكورات الرئوية وفيروس روتا للأطفال الأكبر سنًا والبالغين الذين لا يحصلون عادة على هذه اللقاحات.

تُعتَبَر الإنفلونزا أكثر شدة في كبار السن من الفئات العمرية الأصغر، لكن تفتقر لقاحات الإنفلونزا إلى الفعالية في هذه المجموعة السكانية نتيجة لتراجع جهاز المناعة مع التقدم في السن. حيث يتم إعطاء الأولوية للأطفال في سن المدرسة للتحصين ضد الإنفلونزا الموسمية والذي يعتبر أكثر فعالية من تطعيم كبار السن، وقد أثبت ذلك إنشاء درجة معينة من مناعة القطيع للمسنين.

2- الضغوط التطورية


تعمل مناعة القطيع نفسها بمثابة ضغط تطوري على بعض الفيروسات، حيث تشجّع الفيروسات على إنتاج سلالات جديدة عبر طفرات يُشار إليها بـ”طفرة الهروب” لأنها قادرة على الهروب من مناعة القطيع والانتشار بسهولة. 

على المستوى الجزيئي تهرب الفيروسات من مناعة القطيع من خلال الانسياق المستضدي (antigenic drift) والذي يحدث عندما تتراكم الطفرات في الجزء من الجينوم الفيروسي الذي يشفر المستضدات السطحية للفيروس -والذي عادة ما يكون بروتين في غلاف الفيروس البروتينيّ (capsid)-، مما ينتج عنه تغيير في الحاتمة الفيروسية (epitope). بإمكان الفيروسات أيضًا أن تنتج أنماطًا مصلية جديدة عن طريق إعادة ترتيب قطع الجينوم الفيروسي المنفصلة، أو الزيحان المستضديّ (antigenic shift) -وهو الأكثر شيوعًا عندما يكون هناك المزيد من السلالات في الدورة الدموية-. عند حدوث أي من هذه التغيرات فإن الخلايا الذاكرة التائية (Memory T Cells) لا تستطيع تمييز الفيروس، لذلك تتوقف مناعة القطيع للسلالة المسيطرة المنتشرة. 

ولأن هذا التطور يشكّل  تحديًا لمناعة القطيع؛ تتم دراسة وتطوير ما يُعرَف بالأجسام المضادة المستعدلة أو الأضداد المستعدلة (broadly neutralizing antibodies)، واللقاحات العالمية التي يمكن أن توفر حماية أبعد تتجاوز النمط المصلي المخصص.

3- استئصال الأمراض

إذا تم ترسيخ وتأسيس مناعة القطيع والحفاظ عليها في عدد من السكان لفترة زمنية كافية فسوف يتم القضاء على المرض حتمًا؛ مما يعني أنه لن يحدث نقل للأمراض المستوطنة بعد ذلك. إذا تم تحقيق هذا القضاء في جميع أنحاء العالم وتم خفض عدد الحالات بشكل دائم إلى الصفر عندئذ يمكن الإعلان بأنه تم القضاء على هذا المرض.
بناءً على ذلك، يمكن اعتبار الاستئصال نتيجة نهائية لمبادرات الصحة العامة للسيطرة على انتشار الأمراض المعدية. وتشمل فوائد الاستئصال إنهاء جميع الحالات المرضية والوفيات الناجمة عن هذا المرض، وتوفير الموارد المالية للأفراد ومقدمي الرعاية الصحية والحكومات، وإتاحة  الموراد المستخدمة للسيطرة على المرض لاستخدامها في أي مكان آخر.

حتى الآن ساهمت مناعة القطيع واللقاحات باستئصال مرضين بشكل تامّ وهما الطاعون البقري ومرض الجدري، تدور جهود الاستئصال التي تعتمد على مناعة القطيع حاليًا لاستئصال شلل الأطفال على الرغم من أن الاضطرابات المدنية وعدم الثقة في الطب الحديث جعلت ذلك صعبًا. قد يكون التحصين أو التلقيح التطوعي عقبة أمام الاستئصال والقضاء على المرض إذا لم يمتلك عدد كافٍ من الناس مناعة أو حصانة ضده.

بقرة مصابة بالطاعون البقري في حالة “حرارة الحليب” وقعت عام 1982م، حيث وقعت الحالة الأخيرة المؤكدة من مرض طاعون البقر في كينيا عام 2001م وقد أُعلن رسميًا القضاء على المرض عام 2011م