سلسلة علم الأعصاب (9): هل يحلمُ المكفوفون؟

الحلمُ ليسَ حكْراً على الأَشخاصِ المُبْصِرينَ فَقَط، فَكُلُّ شَخْصٍ يَحْلُمُ اعتمادًا على ما عايَشَهُ في الحقيقةِ، لكنّ السؤالَ الذي يدورُ في بالِ الجميعِ، هوَ كيفَ للأعمى أن يحْلُمَ؟ وهل أحلامُهُ تُشْبِهُ أحلام المبْصِرينَ؟ في تجْربَةٍ أجراها باحثون دنيماركيّون على عيّنةِ مكونةٍ من ٥٠ متطوعًا قُسِّموا إلى مجموعات ثلاث: ١١ شخصاً وُلِدوا فاقِدي لحاسّةَ البَصَرِ، ١٤ منهم فَقَدوا البصرَ في مرحَلَةٍ ما من حياتِهِم و ٢٥ آخرون مبصِرون. حيثُ أنَّ التَّجْرُبَةَ اشتَرَطَت على المُتَطَوّعينَ أَن يَقوموا بِتَعْبِئةِ استبيانٍ بعدَ استيقاظِهِم منَ النَّومِ.

نتيجَةُ التَّجربةِ أَوضَحَت أنَّ حوالَي ١٨% من المشاركينَ المكفوفينَ أفادوا بأنَّهم تّذوَّقوا طَعامًا في حلمٍ واحدٍ على الأقل، و٣٠% منهم أفادوا أنَّهم شَمُّوا رائحةً واحدةً على الأقلِ أثناء الأحلامِ. إنَّ المكفوفينَ يحلُمون، إلّا أنَّ أحلامَهم ليسَت بنفسِ الطّريقَةِ التي يحلمُ بها المُبْصِرون، فَأَحلامُ المكفوفينَ هي مزيجٌ من المعلوماتِ الحسّيةِ التي يُدْرِكُها. وبناءً على هذه التجربة  يُمكن تصنيف المكفوفين إلى قسمين للحكمِ على نوعيةِ الأحلامِ:

  • أعمى منذُ الولادةِ:  هذا النوع يحلمُ كالآخرين تمامًا لكنه لا يرى صورًا في الحلم، وإنّما تعتمد أحلامُه على حواسِّه الأخرى كالشمِّ والرّائحةِ والطّعم. فيُمكنه أن يشعرَ بطعمِ الأشياءِ في منامه أو رائحتها، لكنّه لا يراها مُطلقًا.
  • أعمى بعد الإبصارِ: أمّا مَن فَقَدَ حاسَّةَ البصرِ بعدَ فترةٍ من الإبصارِ، فيُمكنُه أن يُشاهِدَ صُورًا اعتمادًا على ما عايشهُ خلال فترةِ إبصارهِ، فتجربته البصريّة في الحلم محدودة بأشكالٍ وألوانٍ معينة، لكنّ الوضوح في هذه الأحلامِ يتلاشى مع الزّمنِ.

سلسلة علم الأعصاب (8): كيف يسترجع الدماغ الذكريات؟

ساد الاعتقاد بين العلماء في السّابق أنّ هنالك دارة عصبّية واحدة مسؤولة عن تكوين الذّكريات وعن استرجاعها فيما بعد أيضًا، إلا أنّ بحثاً أُجري مؤخّراً يشير إلى أنّ هاتان العمليّتان تسيران ضمن دارتين عصبيّتين مختلفتين. يظهر البحث أنّ مِرفَدْ الحُصين في الدّماغ، و الّذي تندر دراسته، له دورٌ أساسيٌّ في عملية استرجاع الذّكريات، حيث أنّ عملية الاسترجاع تتّخذ مساراً يسلك عبر المِرفَد ليصل إلى القشرة الشّمّيّة الدّاخليّة، في حين أنّ مسار عملية تكوين الذّكريات يشمل جزءاً من الحصين يرمز له بال CA1 ومنه إلى القشرة الشّمّيّة الداخلية.

قام العلماء بإحضار فئران مختبر معدّلة جينيّاً؛ بحيث تمّ ربط استجابة مِرفَدْ الحصين بمنبّه معيّن ليتمكّنوا من تثبيط عمله فيما بعد، وعند قيامهم بذلك، لاحظوا تأثّر عمليّة استرجاع الذّكريات تحديداً، مع بقاء عمليّة تكوينها سليمة تمامًا. يرى العلماء أنّ أهميّة وجود مسارين مستقليّن تتمثلّ في تمكين الدّماغ البشريّ من تحديث الذّكريات المحفوظة سابقًا بمعلومات جديدة، وبالتّالي تعديل ما يتذكّره الدماغ بشكلٍ متواصل. كمّا يتوقّع العلماء أيضًا أن يكون لهذه الاكتشافات وفهم آليّة الذّاكرة دور في دراسة مرض ألزهايمر. و وفقًا لفريق الباحثين، قد يكون هذا العمل الأوّل من نوعه في الكشف عن دارة عصبيّة استرجاعيّة مماثلة في الفقاريّات، حيث أنّ العلماء كانوا قد وجدوا آليّة مشابهة عند نوع من الدّيدان الأسطوانيّة المعروفة بالرّبداء الرّشيقة.

كيف تتحرى هلال رمضان؟

{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ } صدق الله العظيم.

شهرُ رمضان هو الشَّهر الهجري التَّاسع، يسبقهُ شَهرُ شعبان ويليه شهرُ شوال، سُمي برمضان لمصادفتهِ -غالباً- وقت الرمضاء، أي شِدة الحر في جزيرةِ العرب. فُرضَ الصّيامُ فيهِ على المُسلمين في السَّنةِ الثانيةِ للهجرة، ويُعدُ صومه إحدى أركانِ الإسلامِ الخَمسة. يبدأ الصوم عند ثبوت رؤية الهلال في ليلةِ التاسع والعشرين من شهرِ شَعبان، فإن لم يظهرِ الهِلال، يمتدُ شهرُ شعبان لتصبحَ مُدته ثلاثين يوماً لقولهِ صلى الله عليه وسلم: {لا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلالَ وَلا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فأكملوا العدةَ ثلاثين}، وفي ذلكَ نَهيٌ عن صيام يومِ الشَّك، وهو اليوم الذي يتعذرُ فيهِ رؤية الهلال في ليلةِ التَّاسع والعشرين من شهرِ شعبان، إما لوجود غُبار أو سُحب في السَّماء تَحجِبُ الهلال.

تَحري الهِلال في الماضي

كانَ تحري الهِلال يتمُ مِن قِبل الأشخاص المعروفين بحدةِ البَصر في القريةِ أو في المدينة، ومِمَن لديهم خِبرة في تحديدِ مواقع النُّجوم والأجرام في السَّماء، حيثُ كانَ المُكلفونَ برؤيةِ الهِلال يصطنعونَ علاماتٍ على الأرض ليستطيعونَ تحديد موقع الهِلال، إما عَن طريقِ استخدام جذوعِ الأشجار ذات الفرعين أو عَن طريق بناء الرجوم على التلالِ والهِضاب وتحديدِ ثقبٍ فيها لرصدِ الهِلال، فإن ثبتتِ الرؤية نُقِلَ الخبر إلى قاضي أو شيخ المِنطقة ليُعلِنَ دخول شهرَ رمضان المُبارك، ومن بعدِ ذَلك يُعمم الخَبر في المناطق التي لم تثبت فيها رؤيةِ الهِلال، إما عَن طريق مِرسال، أو عَن طريق إطلاق العيارات النارية باستخدامِ البنادق القديمة.

تحري الهلال حديثاً

هُناك طريقتان مُتَّبعتانِ لتحري هلال شهر رمضان الكريم، الأُولى هي عَن طريقِ استخدامِ الحسابات الفلكية دونَ اللجوء لاستخدامِ المناظير والتَّيلسكوبات لرؤيةِ الهِلال، إذ أنَّ هذه الطريقة قائمة على التَّحديدِ الدقيق لموعدِ بداية السَّنةِ الهجرية ومواعيد بدايةِ الأشهُرِ فيها بالدَّقيقةِ والثانية، ولا شك بجدوى هذه الطريقة ودقتها، إذ أنَّ علم الحسابات الفلكية يُستَخدمُ لتسييرِ الرَّحلاتِ الفضائية وللتنبؤ بحركاتِ الكواكب والأجرام السَّماوية المُختلفة، كما أنَّهُ يُحدد المواعيد المُناسبة لإطلاقِ المركبات الفضائية والتوقيتِ المُناسب كي تَحُط على سطحِ كوكبٍ ما.

أما الطريقةُ الثانية فهي الطريقة الأكثر شيوعاً واستخداماً، طريقةُ رَصد الهِلال فلكياً باستخدام التيلسكوبات الحديثة، إلا أنَّ لهذه الطريقة شروطاً ثلاثة يجب توافرها جميعاً وإلا لا تصحُ الرُّؤية، وهي:

الشَّرطُ الأول: حدوثُ اقتران القَمَر بالشَّمس أو ما يُعرَف بولادةِ الهِلال، ويُقصَدُ بها انتهاء دورتهُ الشَّهرية حولَ الأرض مُعلِناً عَن دورة جديدة.

الشَّرطُ الثاني: غروب القمر بعدَ غروبِ الشَّمس، حيثُ يبقى القَمر موجوداً بعد غروبها فوق أُفقها الغربي.

الشَّرطُ الثالث: بقاء الهِلال في صحنِ السَّماء مُدةً لا تَقِلُ عَن نصفِ ساعة بعدَ غُروبِ الشَّمس.

وقَد تتعذر الرؤية أحياناً بسببِ شدةِ قُرب الهِلال من الشَّمس، مما أضافَ شرطاً إضافياً لثبوتِ الرؤية، ألا وهو أن لا تَقِل المسافة الفاصلة بينَ الشَّمس والهِلال عَن سَبع درجات.

وفي النهاية، نسألُ الله عز وجل أن يُعيدَهُ على جميع الأُمة الإسلامية باليُمنِ والبَركات، وكُل عامٍ وأنتُم بخير.