سلسلة العمارة التقليدية (3): الهوية والتقاليد وفنّ العمارة – ٢

استرداد التقاليد يعني استرداد الهويّة

بالنظر إلى ما يستلزم فعله لإعادة الأُمور إلى نصابها، يجب أن نقف لنرى إلى أين وصل الفنُّ المعماريّ اليوم. لنلقي نظرةً على مفهوم الأصالة، التي يحاول أغلب معماريّو العصر الحديث الوصول إليها في تصاميمهم، والذي يُستخدم حاليًا ليدلَّ على الأفكار الجديدة والمختلفة عن سابقاتها لاستعراض التفرّد الإبداعيّ، هذا الاستخدام غير دقيق في الواقع، ذلك لأنَّ مصطلح الأصالة يعني الرجوع إلى أصل الأشياء ونماذجها الأصليّة المُتّسقة مع النظام الكونيّ، والمُتّسقة بطبيعة الحال مع التقاليد، والتي تقودنا بالضرورة للعودة إلى النظام العالميّ. تمامًا كما يجب ربط كلمة “خلّاق” مع كلمة الخالق، وما تقدِّمه هذه الكلمة من إلهامٍ بالتواضع لعظمته. إلا أنَّ المعاني المتداولة في أيامنا هذه لمصطلحيّ تصميم أصيل أو خلّاق تنطوي على إنكارٍ لمعانيها الأصليّة، فالتصاميم التي يتمُّ وصفها بهذه المصطلحات لا تعدو غالبًا عن كونها تراكمًا للتصاميم المعماريّة غير المألوفة، مما يتسبَّب بالحيود عن الهدف الأصليّ الذي يصبو إليه فنّ العمارة؛ والذي يجدر به أن يكون باستخدام أشكال ذات معنى، وحَبكِ العناصر المعماريّة ببراعة كأنَّها نمط لغويٌّ مُتقن، وتسلسل بصريّ من الصور المرئيّة، وللوصول إلى هذه النماذج، يجب ألّا تنفصل التجربة المعماريّة عن انعكاسات نماذج الأبنية الأصيلة، وألّا تقطع الصلة مع الماضي.

تصميمٌ عصريّ

تصميمٌ عصريّ

إنَّ الحداثة -وإن ادّعت عكس ذلك- ترتكز في جوهرها على الانحصار في إطارٍ جامد، نظرًا لأنَّها تركّز على الآنيّة ولا تنظر لما هو أبعد من ذلك. في مجال هندسة العمارة أفرزت الحداثة مفهوم النمط العالميّ، وهو النّمط المعماريّ القائم على الأفكار المستحدثة  التي تتكيّف مع الوقت لتعكس صورة العصر الراهن، دونما مرساة لتثبيته في سِجلِّ التاريخ. 

 أدّى تسارع وتيرة التقدّم التكنولوجي والحاجة لتحقيق نتائج سريعة، إلى حتميّة ظهور النمط العالميّ، إلا أنَّ استمراريّة هذا النمط رهينة باستمرار سيادة النماذج المُحفّزة له نظرًا لعدم وجود أُسس ثابتة يرتكز عليها هذا النمط. لحسن الحظ لم تعد الحداثة التي نجحت مع جيل “ما قبل الحداثة”، محطّ اهتمام عقول الجيل الحاليّ، لأنَّها لم تعد تمثّل تطلعات هذا الجيل.

إنَّ جوهر العمارة التقليديّة -وخاصةً المباني المقدّسة- تطوّرت عبر التاريخ من أشكالٍ مرتبطة بالنظام الكونيّ، وبالتالي فإنَّ الخطوة الأولى نَحو استعادة الهويّة المعماريّة تكمن في تصحيح التقييم لأشكال هذه المباني التاريخيّة كنماذج للعمارة التقليدية الأصيلة، كما أنَّ الشروع في هذا الإجراء يجب ألا يكون بطريقة السَّرد التاريخي المُملّ لأحداث الماضي، بل على العكس من ذلك، يجب أن نرى تلك المعالم التاريخيّة كانعكاسٍ إدراكيّ حيويّ، من خلال أشكال متغيّرة لأنماطٍ ثابتة تنظم الكون.

مسجد الشيخ لطف الله – أصفهان

المسجد الجامع – دلهي

ولكن، هل نبالغ في أهميّة الاستمرارية؟

من المعروف أنَّ السجن والحبس قد يدمران  شخصيّة الفرد وهويته، عندما يُحرم من الاتصال بزملائه، لذا فإنَّ الحفاظ على الهوية و تعزيزها يتمّ من خلال العلاقة مع الآخرين ومع سلفنا الصالح من الماضي، وهذا هو دور المحافظة على الاستمراريَّة. فالهويَّة تتطلَّب أن تُوضع في سياقها بين الماضي والحاضر، ولا يمكنها الصمود بمفردها، فالنمط العالميّ يقف وحيدًا بإنكاره للماضي، ومعزولًا عنه. لقرونٍ عدّة، وفتراتٍ مُختلفة، استمرّ تصميم المباني المعماريّة في مدننا القديمة مَبنيًّا على تراكم خبرات من سبق، في تكاملٍ و تجانس يصل كل حقبةٍ بالسابقةِ لها. بينما قاطعت الهندسة المعماريّة الحديثة هذه السلسلة من تراكم الخبرات، وأوقفت هذه الاستمراريّة، وبسبب عُزلتها الشديدة ساهمت إلى حدٍّ كبير في تَبلوُر أزمة الهويّة القائمة حاليًا.

 إنَّ القلق المُتزايد الآن يظهر جليًّا في محاولات ترميم المواقع الأثريَّة التاريخيّة، وفي الحفاظ على التراث المعماريّ، سواءً من خلال دوائر الآثار أو المنظَّمات الثقافيّة، وهو ما يعكس في الأساس التَّوق إلى استرداد هويَّتنا المفقودة. على النقيض، يقلُّ هذا القلق على التراث في المجتمعات التي لا زال نسيجها الاجتماعي القديم ينبض بالحياة، حتى بعد التدمير الجزئي للدرع الواقي للتقاليد، ذلك يُفسِّر بقاء وتماسك الهويَّة الاجتماعيَّة والروحيَّة، ولاحقًا عند تحطُّم هذه البيئة ستبرُز في النهاية نفس النتائج، وستظهر حركة الحفاظ على التراث.

 إنّ معماريّي الحداثة وتصاميمهم الجديدة التي تواكب العصر، قد غرّبتنا عن هويتنا التي لم تعد ملموسةً في عمارة العصر الحديث. اليوم، يكاد يكون من المستحيل بالنسبة إلينا أن نتعلَّق بعمارتنا الحاليَّة، أو أن نشعر بالانتماء لها؛ فهي جامدة وتخلو من الدفء والحبّ والأُلفة، ولا تعدو عن كونها عمارة بلا روح لا نكّن لها أيَّة مشاعر، وننظر إليها بدون عواطف.

من خلال اعتزازنا بعمارتنا وتمسُّكنا وحُبِّنا وتقديرنا لها، سوف نصبح قادرين على الشعور بالانتماء لها من جديد، حينها فقط ستصبح أبنيتنا أبنية مستدامة تتألَّق بمرور الزمن ولا تُهدم أو تُهمل بسبب القِدم ومرور الزمن. فقط عندما تصبح عمليَّة البناء عمليَّة ذات قيمة معنويَّة وليست مجرَّد مخطَّطات هندسيَّة ورصف أحجارٍ جامدة، حينها ستستعيد الهندسة المعماريّة فحواها الحقيقيّة ومضمونها الأصليّ.

إنّ التصميم في إطارٍ تقليديّ متوارث، ليس ذريعةً لتكرار القديم واستنساخه لتجنّب عناء ولادة جديدة، وهو بالطبع ليس تقليدًا لكلّ ما هو قديم، لأنَّ التقليد والمحاكاة يسلبان النموذج دلالته وأهميته. إنّ التصميم التقليدي هو عمليّة معقّدة من التكيّف والاستيعاب، وفقط عن طريق إعادة بناء هويَّتنا الروحيّة، يمكن ترسيخ دعائم عمليَّة الاستمراريَّة  وإعطائها الحيويَّة لتتألق مجددًا.

 


ترجم هذا المقال عن الإنجليزية: م. ماهر أبو سمرا