سلسلة العمارة التقليدية (2): الهوية والتقاليد وفنّ العمارة

من يفقد تقاليده، كيف يعثر على هويته؟

التغيير قانونٌ كونيّ، فلا شيء يظَلّ على حاله مع مرور الوقت، تنهار حضاراتٌ وتُبنى أُخرى، تندثر أُمّةٌ وتولد أُمم، هذا هو الثابت الوحيد، التغيير. منذ فجر التاريخ عرفت البشريّة الفن، فكان بمثابة البصمة التي تُميّز المجتمعات البشريّة المختلفة، وتَطوَّر وتَغيَّر بتطوُّر هذه المجتمعات وتغيُّرها، فكانت الفنون بألوانها المختلفة صوتًا للشعوب ووسيلةً لتخليد أعرافها وتقاليدها وأبرز المحطّات في تاريخها، فلطالما كانت علاقة الفنون بالحضارات البشريّة علاقةً وثيقة لم تنقطع يومًا.


تشكَّلت الحضارات على مرّ العصور باجتماع الخلاصات الثقافيّة والفكريّة للجماعات البشريّة المتنوّعة، ومنها ما يقوم على عقيدةٍ واضحةٍ بيّنة تشمَل جميع الجوانب فيها؛ مثل الحضارة الإسلاميّة، التي امتدَّت لتشمل جميع مناحي الحياة من الجانب الروحاني إلى الجانب الاقتصاديّ وحتى الجانب الفنيّ، إذ تميّزت الحضارة الإسلاميّة بطابعٍ معماريٍّ فريد يُبرِز هويَّتها بوضوح، وهذا ما يبدو جليًا عند زيارة أيّ مدينة إسلاميّة، ابتداءً من إندونيسيا وحتى المغرب، فمهما اختلفت البيئة أو المناخ أو الظروف المعيشيّة لهذه المدينة أو تلك، فإنَّ الهويّة الإسلاميّة تكون واضحةً للمُشاهد فور زيارته لأيٍّ منها، وهذه الهويّة لا تعتمد على وحدة التصميم أو تماثُل الموادّ المُستعملة في البناء، ولكن على وحدة و اتّساق الحضارة ومؤسساتها التقليديَّة بمبادئها، وعلاوة على ذلك، فإنّ هذه الوحدة لا تعتمد على فرض أيّ نوع من الكُلِّيّانيّة الفنيّة أو الشمولية؛ كما أنها لم تأتِ عن طريق الجمود ورفض التغيير مثل إدخال أساليبٍ أو تقنياتٍ جديدة أو استعمال موادّ بناءٍ حديثة. إنَّ تاريخ الحضارة الإسلاميّة الطويل وانتشارها على رقعةٍ متّسعة من مختلف بقاع الأرض بما تحويه من حضاراتٍ ومجتمعاتٍ مختلفة تسبَّب في تقبّل الحضارة الإسلاميّة وتمازجها معها كما أنّه قد حال دون ركودها وجمودها في ذات النقطة، فالتغيير كانت مستمرًا بل وحتمًا عليها، لأنَّ الحضارات الجامدة مصيرها الاندثار، وهذا ما لم يحدث مع الحضارة الإسلاميّة. ولكن، وعلى الرغم من تغييرها المستمر، ظلّت مُحتفظةً بجوهرها وهويّتها، فكانت التغيّرات الحاصلة خلفًا لما كان يسبقها وبناءً على أُسسٍ ثابتة. 


التغيير جوهريّ وضروريّ لجميع الكائنات الحيّة ولكافّة المجتمعات البشريّة، إلا أنَّ مرساة التغيير وضمانته هي الاستمراريّة التي يحافظ عليها التحدار وانتقال الخبرات والعادات والتقاليد من السلف إلى الخلف، وبلا هذه الاستمراريّة يُصبح التغيير نشازًا عن المسيرة الطبيعيّة للتطوّر وبذلك يتحوّل من كونه أداةً للتقدّم إلى أداة هدّامة للأُسس التي تُبنى عليها الحضارات، ومنها الفنون بألوانها المتعدّدة، وأكثرها تأثرًا بعمليّة التغيير الهدّامة هذه هو فنُّ العمارة. على الصعيد الآخر، فالتغيير الذي تُجيزه وتحافظ عليه التقاليد كجزءٍ أساسيٍ يترافق مع تطوّرها ضروريّ للحفاظ على الحيويّة في الحضارات المختلفة، ذلك لأنَّ الثبات والجمود يعني الفناء واندثار هذه الحضارات، وبخلافه الحيويّة التي إن وجدت وُجِد معها الإبداع، والاختراعات والتنوّع. إلا أنَّ ارتباط الازدهار بالتغيير ليس ارتباطًا حتميًا، فحتى ضمن إطار التمسك بالتقاليد ، هنالك دائمًا إمكانية لمجيء فتراتٍ جيدة وأخرى رديئةٍ من الصعود والانحِدار، وهما عنصران أساسيَّان للكائنات الحيّة والجماعات البشريّة كالتّغيير ذاته، بل هما في الواقع من علامات دورة الحياة.

من تصاميم المهندس المعماريّ د. عبد الواحد الوكيل

ما ينبغي إدراكه هو ما يلي: التغيير ليس مرادفًا لما يُعرف اليوم بالتطوّر أو التقدّم، فالتغيير الحاصل ضمن ضوابط التقاليد لم يفتت وحدة الحضارة الإسلاميّة، خلافًا للتطوّر الذي لم يبدأ بتفتيت الوحدة فحسب، بل بدأ ضمنًا بعمل محاكاة هزليّة للوحدة الإسلاميّة، وهي التوحيد. وهذا يتأتّى بسبب أنّ “التقدم” يَعتقِدُ أنّ كلّ شيءٍ لابدّ أن يَؤول بمرور الزمن إلى الأفضل، يعني تقدّمًا متجانسًا بقدر مرور الوقت، وهذا يُفرز في الواقع تبنّي كلّ فردٍ للنَّمط العالميّ والذي بتأييده للوظيفيّ والنّفعي، قد قَولَب شخصيته مع الرّتابة العالميّة، وبدرجات متفاوتة، من استعمال العناصر المقلَّدة ظاهريًّا بشكلٍ مُستوحى من عنصر وظيفيّ تقليديّ محلّي خاصّ بمنطقة أو عرق معين، كمن يستعمل مستحضرات التجميل لإخفاء الحقيقة، وهكذا يضيع كلًّا من التّقليد والهويّة. وإذا ما كان دور التّقاليد حماية الهويَّة الفنِّية، أو فنّ العمارة، فإنّ دور الفن وبالأخص فنّ العمارة هو حماية البيئة المحيطة التي يمكن للتقاليد البقاء فيها أن تستمر. إنَّ في إنكار هذا التعايش بين الفن والتقاليد سواءً من قبل المذهب الحداثي أو بدافع غرور الفنان أو المهندس المعماري لإبراز فرديته في التصميم، بناء لحلقة مفرغة، فما كان دَاعمًا بالتبادل يفسح الطريق أمام ما هو مدمّرٌ للطرفين، تسود هذه النظرة للفنّ والتقاليد عندما يخلق المفهوم الماديّ بريقًا لا يقاوم لكل ما هو جديد ومُعاصر، وذلك بفعل سيادة الثقافة الدنيويّة على الثقافة الروحانيّة. جميع وجهات النظر الروحانيّة والتقاليد الإبداعية التي تنبثق منها، تنطوي على صفتيّ العالميّة والديمومة وهي صالحة لكلّ زمانٍ ومكان، بينما وجهة النظر الدنيويّة تُشدّد على صفتي سرعة الزوال وعدم الديمومة، والأنانيّة الفردية.

منزلٌ تقليديّ في المغرب العربيّ


مع الوقت يتسبّب السعي المحموم خلف كلّ ما هو جديد ولا يسترشد بالمبادئ التقليدية، بفقدان الهويّة  وتغذية الأنانيّة؛ ذلك لأن التقليد هو دائمًا أكبر من الشخص المُمارس، وهو هويّته الحقيقيّة في واقع الأمر. إنَّ التخلي عن التقاليد، وتجاهل إنجازات ونماذج الماضي العريقة، لِلَّحاق بحمى التقدّم يعني أن تكون غير قادر على التعامل مع ما هو جديد، وبالتالي فإنّه ليس من قبيل المصادفة أنَّ البحث عن الهوية سيصبح على الأرجح الموضوع المهيمن على التفكير المعماري في هذا العصر. وبالطبع؛ فالتغيير ليس بالأمر السيّئ، ويجب أن يستمر دائمًا لتستمر الحياة، ولكنّه يجب ألا ينفصل عن الاستمراريّة التي لا يمكن أن يكفله إلا الالتزام بالسابقة وبالمبادئ التقليدية؛ وفي هذا المسعى يكون دور المهندس المعماري حاسمًا في تحديد معدل التغيير المسموح به داخل البيئة المكانيّة.

ترجم هذا المقال عن الإنجليزية: م. ماهر أبو سمرا