سلسلة الطب الدقيق (9): مشروع الجينوم البشري

ما هو الجينوم؟

يشكّل الجينوم المجموعة الكاملة من الحمض النوويّ، أي جميع الجينات التي يملكها الكائن الحي. يحتوي كل جينوم على كل المعلومات اللازمة لبناء الكائن الحي والمحافظة عليه. وفي البشر، توجد نسخة من الجينوم بأكمله -أكثر من 3 مليارات زوج من قواعد الDNA- في جميع الخلايا التي تحتوي على نواة.

ما هو مشروع الجينوم البشريّ وما هي أهميته؟

يُعدُّ مشروع الجينوم البشري جهد بحثيّ دوليّ لتحديد تسلسل الجينوم البشري وتحديد الجينات التي يحتوي عليها. تم تنسيق المشروع من قبل المعاهد الوطنيّة للصحّة ووزارة الطاقة الأمريكيّة. وساهمت العديد من  الجامعات في جميع أنحاء الولايات المتحدة بالإضافة إلى شركاء دوليين في المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا واليابان والصين. بدأ مشروع الجينوم البشريّ رسميًا عام 1990 واكتمل عام 2003 ، قبل سنتين من جدوله الأصليّ.

لقد أتاح مشروع الجينوم البشريّ للباحثين الفرصة للبدء في فهم مخطط بناء الكائن الحي، فعندما يتعلم الباحثون المزيد عن وظائف الجينات والبروتينات، سيكون لهذه المعرفة تأثير كبير وعظيم في مجالات الطب والتكنولوجيا الحيوية وعلوم الحياة.

ما هي أهداف مشروع الجينوم البشريّ؟

كانت الأهداف الرئيسيّة لمشروع الجينوم البشريّ توفير التسلسل الكامل والدقيق لأزواج قواعد الأحماض النوويّة البالغ عددها 3 مليارات زوج والتي تكوّن الجينوم البشريّ. بالاضافة إلى العثور على جميع الجينات البشريّة والتي يُقدّر عددها بـ 20000 إلى 25000 جين.

يهدف المشروع أيضًا إلى إيجاد تسلسل الجينوم للعديد من الكائنات الحيّة المهمة في البحث الطبيّ، مثل الفأر وذبابة الفاكهة.

بالإضافة إلى إيجاد تسلسل الحمض النوويّ، يسعى مشروع الجينوم البشريّ إلى تطوير أدوات جديدة للحصولِ على البيانات وتحليلها وإتاحة هذه المعلومات على نطاقٍ واسع. أيضًا، نظرًا لأنَّ التقدّم في علم الوراثة له نتائج على الأفراد والمجتمع، فإنَّ مشروع الجينوم البشريّ مُلزمٌ باستكشاف نتائج البحوث الجينيّة من خلال برنامج الآثار الأخلاقيّة والقانونيّة والاجتماعيّة.

 

ما هي منجزات مشروع الجينوم البشريّ؟

في شهر نيسان من عام 2003، أعلن الباحثون أنَّ مشروع الجينوم البشريّ قد أكمل إيجاد سلسلة عالية الجودة من الجينوم البشريّ بأكمله. أغلق هذا التسلسل الفجوات من مسودة عمل الجينوم، التي نُشرت عام 2001. كما حددت مواقع العديد من الجينات البشرية وقدّمت معلومات حول هيكلها وتنظيمها. وقام المسؤولون عن المشروع بإتاحة تسلسل الجينوم البشريّ والأدوات اللازمة لتحليل البيانات عبر الإنترنت لجميع المهتمين والعاملين في هذا المجال.

بالإضافة إلى الجينوم البشريّ، قام المشروع بإيجاد تسلسل الجينوم للعديد من الكائنات الأُخرى، بما في ذلك خميرة البيرة، والدودة المستديرة، وذبابة الفاكهة، وفي عام 2002 أعلن الباحثون أنَّهم أكملوا أيضًا مسودة عمل لجينوم الفأر. ومن خلال دراسة أوجه التشابه والاختلاف بين الجينات البشريّة وتلك الخاصة بالكائنات الحيّة الأُخرى، يمكن للباحثين اكتشاف وظائف جينات معيّنة وتحديد الجينات المهمة للحياة.

ما هي بعض الآثار الأخلاقيّة والقانونيّة والاجتماعيّة التي تناولها مشروع الجينوم البشري؟

أصبح  برنامج الآثار الأخلاقيّة والقانونيّة والاجتماعيّة للمشروع (Project’s Ethical Legal and Social Implications; ELSI) أصبح أكبر برنامج أخلاقيّات بيولوجيّة في العالم ونموذجًا للبرامج الأخرى في جميع أنحاء العالم. تأسس برنامج الآثار الإنسانيّة والقانونيّة والاجتماعيّة (ELSI) في عام 1990 كجزءٍ لا يتجزأ من مشروع الجينوم البشريّ، كانت مهمة هذا البرنامج تحديد ومعالجة القضايا التي يثيرها البحث الجينيّ والتي قد تؤثر على الأفراد والأُسر والمجتمع. تم تخصيص نسبة مئويّة من ميزانيّة مشروع الجينوم البشريّ في المعاهد الوطنيّة للصحة ووزارة الطاقة الأمريكيّة لإجراء أبحاث ELSI.

ركّز البرنامج على النتائج المحتملة للبحوث الجينيّة في أربعة مجالات رئيسيّة:

  • الخصوصيّة والإنصاف في استخدام المعلومات الجينيّة، بما في ذلك إمكانيّة التمييز(العنصريّ) الجينيّ في مجالات التوظيف والتأمين الصحيّ.
  • دمج التكنولوجيا الجينيّة الجديدة، مثل الاختبارات الجينيّة، في ممارسة الطب السريريّ.
  • القضايا الأخلاقيّة المحيطة بتصميم وإجراء البحوث الوراثيّة المتعلقه بالإنسان، بما في ذلك الموافقة المستنيرة.
  • تعليم أخصائيي الرعاية الصحيّة وواضعي السياسات والطلاب والجمهور حول علم الوراثة والقضايا المعقّدة التي تنجم عن البحوث الجينوميّة.

سلسلة الطب الدقيق (8): فحوصات التقصّي الوراثيّة لحديثي الولادة

ما هي فحوصات حديثي الولادة؟‌

فحصُ حديثي الولادة هو فحصٌ طبيّ يتم عمله  لجميع الأطفال في الأيام الأولى من حياتهم لبعض الاضطرابات والحالات التي يمكن أن تعيق نموّهم الطبيعي.هذا الاختبار مطلوب في كل المستشفيات، وعادة ما يتم ذلك قبل مغادرة الطفل للمستشفى. يمكن أن تسبب الحالات المشمولة في فحص حديثي الولادة مشاكل صحيّة خطيرة تبدأ في مرحلة الرضاعة أو مرحلة الطفولة. يمكن أن يساعد الكشف المبكر والعلاج في الوقاية من الإعاقات الذهنية والجسديّة والأمراض التي تهدد الحياة.

كيف يتم عمل فحوصات حديثي الولادة؟

يبدأ فحص حديثي الولادة عادةً بفحص الدم بعد 24 إلى 48 ساعة من ولادة الطفل، وذلك أثناء وجوده في المستشفى، ويتم أيضًا في بعض الحالات او المستشفيات إجراء فحص دم ثانٍ عند موعد الفحص مع طبيب الأطفال عندما يكون عمر الطفل من أُسبوع إلى أُسبوعين.
يتم إجراء فحص حديثي الولادة لجميع الأطفال، فبالتالي لا يحتاج الآباء إلى طلب إجراءه.
يُجرى هذا الاختبار عن طريق وخز كعب الطفل لجمع بضع قطراتٍ من الدم، وهناك عددٌ قليلٌ جدًا من المخاطر المرتبطة بهذا الإجراء، وقد يُسبب إزعاجًا طفيفًا للطفل. يتم وضع الدم على نوعٍ خاص من الورق وإرساله إلى المختبر للتحليل. في غضون أُسبوعين إلى ثلاث أسابيع، يتم إرسال نتائج الاختبار إلى مكتب الطبيب أو العيادة.

إذا وُلد الطفل خارج المستشفى (على سبيل المثال، في المنزل أو في مركز الولادة)، فقد تقوم القابلة بتجميع عيّنة الدم اللازمة لاختبار فحص حديثي الولادة. بخلاف ذلك، يمكن إجراء الاختبار المطلوب في مكتب طبيب الطفل أو في المستشفى. بالإضافة إلى فحص الدم الاعتيادي، هناك فحوصات إضافيّة اختباريّة مثل فحص المواليد الجدد لفقدان السمع وأمراض القلب الخلقيّة الحرجة، والتي تتم بعد وقت قصير من الولادة. يُستخدم في إجراء اختبار السمع سماعات وأجهزة استشعار لتحديد ما إذا كان الخلل في  الأذن الداخليّة أو مشكلة في مركزالسمع في مخّ الطفل. يستخدم مقياس تأكسج النبض في اختبار أمراض القلب الخلقيّة الحرجة؛ وهو عبارة عن مُستشعرٍ يتم وضعه على الجلد لقياس مقدار الأكسجين الموجود في الدم، حيث تشير مستويات الأكسجين المنخفضة إلى أنَّ الرضيع قد يعاني من مشاكل في القلب. لحسن الحظ؛ فإنَّ اختبارات قياس التأكسج والسمع غير مؤلمة ويمكن إجراؤها أثناء نوم الطفل.

ما هي الاضطرابات والأمراض المُدرجة في فحوصات حديثي الولادة؟

تختلفُ الأمراض المشمولة في فحص حديثي الولادة من دولةٍ إلى أُخرى، وتتضمن بيلة الفينيل كيتون (PKU) والتليّف الكيسيّ ومرضُ الخلايا المنجليّة وأمراض القلب الخلقيّة الحرجة وفقدان السمع وغيرها. معظم الحالات المشمولة في فحص حديثي الولادة يمكن أن تسبب مشاكل صحيّة خطيرة إذا لم يبدأ العلاج بعد الولادة بفترةٍ قصيرة. قد يكون التشخيص المبكّر لهذه الحالات وإدارتها ومعالجتها قادرين على منع المضاعفات التي تُهدد الحياة. يمكن للوالدين سؤال مقدم الرعاية الصحيّة للطفل عن الفحوصات الإضافيّة (التكميليّة).

ماذا يحدث إذا كانت نتيجة فحص حديثي الولادة سلبيّة؟

بعد أُسبوعين إلى ثلاث أسابيع من إجراء فحوصات حديثي الولادة يتم إرسال النتائج إلى مكتب أو عيادة طبيب الأطفال، إذا كانت النتيجة سلبيّة فذلك يعني أنَّ جميع الاختبارات تقع ضمن المعدل الطبيعيّ، وأنَّها لا تشير إلى أي خطرِ مُتزايد. الكلمات المرادفه لنتائج الاختبار السلبيّ هي “ضمن النطاق” أو “طبيعيّة”. في معظم الحالات، لا يُعاد الاتصال بالأهل لإخبارهم إذا كانت النتائج سلبيّة (طبيعيّة). يمكن للوالدين الاتصال بمقدم الرعاية الصحيّة للطفل إذا رغبوا في التأكد من أنَّ النتائج طبيعيّة (سلبيّة). في حالاتٍ نادرة يمكن أن تكون نتائج فحص حديثي الولادة سلبيّة كاذبة أو سلبيّة خاطئة، ويعني هذا المصطلح أنَّ الفحص قد قام بشكلٍ خاطئ بتشخيص الطفل على أنَّه سليم وغير مصاب بأي مرض، مع أنَّ الطفل يُعاني من مرضٍ مُعيّن في الحقيقة. الأسباب المحتملة للنتيجة السلبيّة الكاذبة تشمل الأخطاء المخبريّة، مثل خلط العينات، وإجراء الاختبار في وقتٍ مبكّر جدًا، ولأنَّ السلبيات الخاطئة ممكنة، يجب إجراء المزيد من الاختبارات في حال كان لدى الطفل تاريخ عائليّ لمرضٍ مُعيّن أو تظهر عليه علامات وأعراض معيّنة لمرضٍ وراثيٍ ما، بغض النظر عن نتيجة فحص حديثي الولادة.

ماذا يحدث إذا كانت نتيجة فحص حديثي الولادة إيجابيّة؟

بعد أُسبوعين إلى ثلاث أسابيع من إجراء فحوصات حديثي الولادة، يتم إرسال النتائج إلى مكتب أو عيادة طبيب الطفل، تعني النتيجة الإيجابيّة أنَّ واحدًا على الأقل من الاختبارات أظهر وجود أمر خارج عن النطاق الطبيعيّ. الكلمات المرادفة لأنَّ النتيجة إيجابيّة هي “خارج النطاق” أو “غير طبيعيّ”. سيقوم مقدم الرعاية الصحيّة بإخبار الوالدين بنتيجة الاختبار الإيجابيّة. النتيجة الإيجابية لا تعني أنَّ الطفل مصاب بالتأكيد بالمرض، ولكنّه يشير إلى أنّه يجب إجراء المزيد من الاختبارات (تُسمى الاختبارات التشخيصيّة، لأنَّها تُستخدم لتشخيص المرض) في أسرعِ وقتٍ ممكن. إذا كان الطفل يُعاني من المرض، فإنَّه يجب متابعة الطفل بسرعه للتعامل مع المرض أو معالجته، مثل البدء بنظامٍ غذائيّ خاص، بعد الولادة بفترةٍ وجيزة. في كثيرٍ من الأحيان عندما تكون هناك نتيجة إيجابيّة لاختبار الفحص، يُظهر اختبار التشخيص أنَّ الطفل لا يُعاني من هذا المرض، في هذه الحالات توصف نتائج  فحص حديثي الولادة بأنها “إيجابيّة كاذبة”، وهذا يعني أنَّ الاختبار قد قام بتشخيص الطفل على أنَّه مُصاب بالمرض ولكنّه بالحقيقة غير مُصاب. تحدث نتائج الاختبارات الإيجابيّة الكاذبة لأنَّ اختبارات الفحص مصممة لكشف أكبر عددٍ مُمكن من الأطفال المصابين بأمراض يمكن علاجها، نظرًا لأنَّه من المهم كشف الأطفال المتأثرين، فإنَّ عدد قليل جدًا من الأطفال غير المتأثرين معرضين لاحتمال تشخيصهم بشكلٍ خاطئ في هذا الفحص. في بعض الأحيان، يتم الإبلاغ عن نتائج فحص حديثي الولادة بـ”خط الحدود أو حَدِّيّ” هذه النتائج ليست طبيعيّة تمامًا، لكنّها ليست غير طبيعيّة بشكلٍ واضح أيضًا. في هذه الحالات، قد يكرر مقدم الرعاية الصحيّة للطفل الاختبار.

سلسلة الطب الدقيق (7): العلاج الجيني

تحدَّثنا في المقال السابق عن الطبِّ الدقيق، لكن ما هي تطبيقاته وكيف يمكننا الاستفادة منها في حياتنا العمليَّة؟لانُناقش في هذا المقال أحد تلك التطبيقات المُحتملة، وهو العلاج الجيني.

ما هو العلاج الجيني؟

العلاج الجيني هو تقنية تجريبيَّة تَستخدم الجينات لعلاج مرض ما أو الوقاية منه. يُتوقَّع في المستقبل، أن تسمح هذه التقنية للأطباء بمعالجة الاضطرابات أو الأمراض عن طريق إدخال جين في خلايا المريض بدلاً من استخدام الأدوية أو الجراحة. يختبر الباحثون عدَّة طرق للعلاج الجيني، بما في ذلك:

1- استبدال الجين المتحوِّر (أي المصاب بطفرة) الذي يسبِّب المرض بنسخة صحيَّة من الجين
2- تعطيل الجين المتحوِّر الذي يعمل بشكل غير صحيح.
3- إدخال جين جديد في الجسم للمساعدة في مكافحة مرض ما.

لكن، على الرغم من أنَّ العلاج الجيني هو خيار علاج واعد للعديد من الأمراض (بما في ذلك الاضطرابات الموروثة وبعض أنواع السرطان وبعض أصناف العدوى الفيروسيّة)، إلّا أنَّ هذه التقنية لا تزال محفوفة بالمخاطر ولا تزال قيد الدراسة للتأكُّد من أنَّها ستكون آمنة وفعَّالة. لذلك يجري حاليًّا اختبار العلاج الجيني فقط للأمراض التي ليست لها علاجات أخرى.

كيف يعمل العلاج الجيني؟

تمَّ تصميم العلاج الجيني لإدخال المواد الجينيَّة في الخلايا، وذلك للتعويض عن الجينات غير الطبيعيَّة أو لإنتاج بروتين مفيد. إذا تسبب الجين المتحوِّر في خلل أو نقصٍ في البروتين اللازم، فقد يكون العلاج الجيني قادرًا على تقديم نسخة طبيعيَّة من الجين لاستعادة وظيفة البروتين.
عادةً، لا يعمل الجين الذي يتمّ إدخاله مباشرة إلى الخلية بدون ناقل، لذلك يُستخدم الناقل. يُصمَّم هذا الناقل وراثيًّا لتوصيل الجين إلى المادَّة الوراثيَّة للخليَّة، وغالبًا ما تُستَخدم فيروسات معيَّنة كنواقل للجينات، لأنَّ بإمكانها توصيل الجين الجديد عن طريق إصابة الخلية. لكن بالطبع يتمُّ تعديل هذه الفيروسات بحيث لا يصبح بإمكانها أن تُسبِّب المرض عند استخدامها كنواقل في جسم الإنسان. تقوم بعض أنواع الفيروسات، مثل الفيروسات القهقرية “Retroviruses” ، بدمج موادها الوراثيَّة (بما في ذلك الجين الجديد) في كروموسوم الخليَّة البشرية. تقوم فيروسات أخرى، مثل الفيروسات الغديَّة “Adenoviruses”، بإدخال الحمض النوويّ الخاصِّ بها في نواة الخليَّة بدون دمجه في كروموسوم الخليَّة.

يمكن حقن هذا الناقل في الجسم أو إعطاءه عن طريق الوريد مباشرة في نسيج معيَّن في الجسم، حيث يتمُّ إيصاله بشكل مخصَّص لخلايا ذلك النسيج. من الممكن أيضًا، إزالة عيِّنة من خلايا المريض وتعريض هذه الخلايا للناقلات في بيئة معمليَّة، ثمَّ تُعاد هذه الخلايا التي تحتوي على ناقل إلى المريض. إذا نجح العلاج، فإنَّ الجين الجديد الذي تمَّ نقله سيصنع بروتينًا فعَّالًا، وبذلك يؤثِّر على عمل الخليَّة بحيث تعمل بشكل طبيعيٍّ وفعَّال. لكن، يجب على الباحثين التغلُّب على العديد من التحدِّيات التقنيَّة قبل أن يكون العلاج الجيني طريقة عمليَّة لعلاج المرض. على سبيل المثال، يجب على العلماء إيجاد طرق أفضل لإيصال الجينات واستهدافها لخلايا معينة. كما عليهم أيضا التأكُّد من أنَّ الجينات الجديدة يتمُّ التحكُّم فيها بدقَّة من قِبل الجسم.

يتم إدخال الجين الجديد مباشرة في الخليَّة. يكون الكائن الحامل للجين والذي يسمى بالناقل مُهندَس وراثيًّا لتوصيل الجين. يُدخل الفيروس الغدّي الحمض النوويّ في نواة الخليَّة، بدون دمجه في كروموسوم الخلية.

هل العلاج الجيني آمن؟

العلاج الجيني قيد الدراسة لتحديد ما إذا كان يمكن استخدامه لعلاج الأمراض، فالأبحاث الحاليَّة قائمة لتقييم سلامة العلاج الجيني، وستختبر الدراسات المستقبليَّة ما إذا كان خيار العلاج الجيني فعَّالًا حقًّا. لقد أظهرت العديد من الدراسات بالفعل أنَّ هذا النهج يمكن أن يكون له مخاطر صحيَّة خطيرة للغاية، مثل السُمِّيَّة والالتهابات والسرطان. نظرًا لأنَّ التقنيات جديدة نسبيًّا، فقد لا يمكن التنبؤ ببعض المخاطر؛ إلّا أنَّ الباحثين الطبِّيين والمؤسَّسات والوكالات التنظيميَّة تعمل على ضمان أن تكون أبحاث العلاج الجيني آمنة قدر الإمكان.
تساعد القوانين واللوائح والإرشادات الفيدرالية الشاملة على حماية الأشخاص الذين يشاركون في الدراسات البحثيَّة (وتُسمَّى التجارب السريريَّة). تُنظِّم إدارة الغذاء والدواء الأمريكيَّة (FDA) جميع منتجات علاج الجينات في الولايات المتحدة، وتشرف على الأبحاث في هذا المجال، حيث يجب على الباحثين الذين يرغبون في القيام بتجربة سريريَّة للعلاج الجيني الحصول أوّلًا على إذن من إدارة الأغذية والعقاقير الأمريكية، وتتمتَّع إدارة الأغذية والعقاقير بسلطة رفض أو تعليق التجارب السريريَّة التي يُشتبه أنَّها غير آمنة للمشاركين.
تلعب المعاهد الوطنيَّة للصحَّة (NIH) أيضًا دورًا مهمًّا في ضمان سلامة أبحاث العلاج الجيني، حيث توفِّر المعاهد الوطنية للصحة إرشادات للمحقِّقين والمؤسَّسات (مثل الجامعات والمستشفيات)، ليتمَّ اتِّباعها عند إجراء التجارب السريريَّة المتعلِّقة بالعلاج الجيني. تنصُّ هذه المبادئ التوجيهيَّة على أنَّ التجارب السريريَّة في المؤسَّسات التي تتلقَّى تمويل المعاهد الوطنيَّة للصحَّة لهذا النوع من الأبحاث يجب أن تكون مُسجَّلة لدى مكتب أنشطة التكنولوجيا الحيويَّة.حيث تتمُّ مراجعة البروتوكول، أو الخطَّة، لكلّ تجربة سريريَّة من قِبل اللَّجنة الاستشاريَّة للحمض النووي (RAC) لتحديد ما إذا كانت تثير مشكلات طبيّة أو أخلاقيَّة أو مشكلات متعلِّقة بالسلامة، ممَّا يستدعي المزيد من المناقشة في أحد الاجتماعات العامَّة للَّجنة الاستشاريَّة للحمض النووي.
يجب أيضًا أن يوافق مجلس المراجعة المؤسسيَّة (IRB) ولجنة السلامة الأحيائيَّة المؤسسيَّة (IBC) على كلِّ تجربة سريريَّة للعلاج الجيني قبل أن يتمَّ تنفيذها. ال IRB هي لجنة من المستشارين العلميِّين الطبِّيين بالإضافة للمستهلكين الذين يراجعون جميع البحوث داخل المؤسَّسة. ال IBC هي مجموعة تقوم بمراجعة واعتماد الدراسات البحثيَّة التي تتضمَّن بعض الخطورة المُحتملة. كما تجب الإشارة إلى وجود مستويات متعدِّدة من التقييم والرقابة التي تضمن أنَّ المخاوف المتعلِّقة بالسلامة هي أولويَّة قصوى في تخطيط وتنفيذ أبحاث العلاج الجيني.

ما هي القضايا الأخلاقية المتعلقة بالعلاج الجيني؟

لأنَّ العلاج الجيني ينطوي على إجراء تغييرات على مجموعة من المعلومات الأساسيَّة للجسم، فإنَّه يثير العديد من الاهتمامات والتساؤلات الأخلاقيَّة الفريدة. تشمل الأسئلة الأخلاقيَّة المحيطة بالعلاج الجيني:
1- كيف يمكن التمييز بين الاستخدامات “الجيِّدة” و “السيِّئة” للعلاج الجيني؟
2- من الذي يقرر السمات التي تُعتبر طبيعيَّة والسِّمات التي تُشكِّل إعاقة أو اضطراب؟
3- هل التكاليف الباهظة للعلاج الجيني تجعله متاحًا للأثرياء فقط؟
4- هل يجعل الاستخدام الواسع النطاق للعلاج الجيني المجتمع أقل قبولًا للأشخاص المُختلفين؟
5- هل ينبغي السماح للنَّاس باستخدام العلاج الجيني لتعزيز السمات البشرية الأساسيَّة مثل الطول أو الذكاء أو القدرة الرياضيَّة؟

تركز أبحاث العلاج الجيني الحاليَّة على علاج الأفراد من خلال توجيه العلاج لخلايا الجسم مثل نخاع العظام أو خلايا الدم. هذا النوع من العلاج الجيني، الذي يستهدف خلايا الجسم فقط، لا يؤثِّر على أطفال الشخص الذي استخدم العلاج الجيني، وبذلك فإنَّ أطفاله في المستقبل لا يزالون معرَّضين للإصابة بذلك المرض. لكن، يمكن للعلاج الجيني استهداف خلايا البويضة والحيوانات المنوية (الخلايا الجنسيَّة)، ممَّا يسمح بنقل الجين المُدخل إلى الأجيال القادمة. يُعرف هذا النهج باسم علاج جينات الخلايا الجنسيَّة.

إلّا أنَّ فكرة العلاج الجيني للخلايا الجنسيَّة مُثيرة للجدل، حيث في حين أنَّه يقوم بعلاج الأجيال القادمة في الأسرة من اضطراب وراثي معين، إلّا أنَّه قد يُؤثِّر على تطوُّر الجنين بطرق غير مُتوقَّعة أو قد تكون له آثار جانبيَّة طويلة الأجل لم تُعرف بعد، وذلك لأنَّ الأشخاص الذين سيتأثَّرون بالعلاج الجيني للخلايا الجنسيَّة لم يولدوا بعد، لذا لا يمكنهم اختيار ما إذا كانوا سيحصلون على العلاج أم لا. بسبب هذه المخاوف الأخلاقيَّة، لا تسمح حكومة الولايات المتَّحدة باستخدام الأموال الفيدراليَّة للبحث في العلاج الجيني للخلايا الجنسيَّة لدى الإنسان.

هل العلاج الجيني متاح لعلاج المرض المصاب به؟

العلاج الجيني متاح حاليًّا بشكل أساسيّ في الدراسات البحثيَّة. وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) على عدد محدود فقط من منتجات علاج الجينات للبيع في الولايات المتَّحدة. تُجرى مئات من الدراسات البحثيَّة والتجارب السريريَّة لاختبار العلاج الجيني، كعلاج الحالات الوراثيَّة والسرطان وفيروس نقص المناعة البشريَّة/ الإيدز. فإذا كنت مُهتمًّا بالمشاركة في تجربة سريريَّة، تحدَّث مع طبيبك أو أحد أخصائيِّي علم الوراثة حول كيفيَّة ذلك.  يمكنك أيضًا البحث عن التجارب السريريَّة عبر الإنترنت. ClinicalTrials.gov، هي خدمة تابعة للمعاهد الوطنيَّة للصحَّة، توفر سهولة الوصول إلى المعلومات حول التجارب السريريَّة. يمكنك البحث عن تجربة سريرية مُحدَّدة أو التصفُّح حسب الحالة الصحيَّة التي تهمُّك.