سلسلة الطب الدقيق (6): الطب الدقيق

هل من الممكن أن نرتدي جميعًا بكلّ اختلافاتنا وميّزاتنا الرداء ذاته؟ هذا ما يحدث في الممارسة الطبيّة الحاليّة، لكن ظهور الطبّ الدقيق بدأ بتغيير مستقبل هذه الممارسة الطبيّة والرعاية الصحيّة بشكل عامّ. سنتعرّف معًا في هذا المقال على معنى ذلك.

ما هو الطبّ الدقيق؟

الطبّ الدقيق هو ممارسة جديدة تؤخذ فيها الاختلافات الفرديّة في الجينات، والبيئة المحيطة، ونمط الحياة بعين الاعتبار في التعامل مع علاج الأمراض والوقاية منها.

 هذه الطريقة ستمكّن الأطبّاء والباحثين من زيادة دقّة التنبُّؤ بنوع العلاج أو طريقة الوقاية من الأمراض المختلفة التي تصلح بشكل أفضل لكلّ مجموعة من الناس. تُعتبر هذه الطريقة عكس الممارسة الحاليّة، التي تتّبع نمط “مقاسٌ واحد يناسب الجميع”، حيث يعتمد فيها العلاج والوقاية على أساليب وُضعت للشخص “الاعتيادي”، دون أخذ الفروقات الشخصيّة بعين الاعتبار.

على الرغم من أنّ مصطلح الطبّ الدقيق يُعتبر مصطلحًا جديدًا، إلّا أنّ مبدأه متأصّلٌ في الممارسة الطبيّة منذ سنين؛ فعلى سبيل المثال، لا يُعطى الشخص الذي يحتاج إلى نقل الدمّ دمًا من شخص عشوائي، بل يُعطى نوع دم متطابق معه للتقليل من المضاعفات. لكن وعلى الرغم من وجود أمثلة عديدة مُشابهة، إلّا أنّ دور الطبّ الدقيق حاليًّا في الرعاية الطبيّة اليوميّة محدود جدًّا، لذلك يأمل الباحثون أن تتوسّع تطبيقاته في السنوات القادمة.

ما الفرق بين الطبّ الدقيق والطبّ الشخصي؟

يُعتبر هذان المصطلحان متقاربين جدًّا، حيث أنّ الطبّ الشخصي أو الطبّ المُشخصن هو مصطلح قديم له نفس معنى الطبّ الدقيق تقريبًا، إلّا أنّه قد ظهرت بعض المخاوف تجاه استخدام كلمة “شخصي”، حيث قد تُفهم بمعنى أنّ العلاج أو أساليب الوقاية ستُطَوّر شخصيًّا لكلّ فرد، في حين أنّ الطبّ الدقيق يُعنى بتحديد أيّ الأساليب ستكون فعّالة لمن مِن المرضى حسب العوامل الجينيّة، والبيئيّة، والحياتيّة.

لذلك رجّح المجلس الأعلى للأبحاث العلميّة مصطلح الطبّ الدقيق. أمّا علم الصيدلة الجيني فهو مصطلح منفصل، ويُعتبر جُزئًا من الطبّ الدقيق، فهو يُعنى بدراسة كيفيّة تأثير الجينات على استجابة الأشخاص لأدوية معيّنة. يُعتبر هذا حقًلا جديدًا في العلم، حيث يدمج بين علم الأدوية وعلم الجينات لتطوير أدوية فعّالة وآمنة بجُرعات مناسبة للاختلافات الجينيّة لدى الأشخاص.

لكن ماذا سنستفيد من تطبيق الطبّ الدقيق؟

يحمل الطب الدقيق آمالًا واعدة لتحسين العديد من مجالات الصحّة والرعاية الطبيّة. لكن هذا لن يتحقّق دون البدء بتطبيقه شيئًا فشيئًا والاهتمام بالأبحاث في هذا المجال. بعض من الفوائد طويلة المدى للطب الدقيق والأبحاث في مجاله هي:

  • تحسين القدرة على التنبّؤ بنوعيّة العلاج التي تُناسب مرضى معيّنين.
  • توسيع قدرة الأطبّاء على توظيف المعلومات الجينيّة عن المريض في رعايته الطبيّة الدوريّة.
  • فهم طريقة حدوث ومسبّبات العديد من الأمراض بشكل أفضل.
  • تحسين طرق العلاج والوقاية لمدى واسع من الأمراض.

سلسلة الطب الدقيق (5): تاريخ علم الجينات

تتضمن دراسة الجينوم دراسة كلٍ من الجينات، وعلم الوراثة، وعلم الأحياء الجزيئيّ، والكيمياء الحيويّة والإحصاء الحيوي، كما تتطلب دراسته إلمامًا معرفيًا بكلٍ من التقنيات المتقدّمة وعلم الحاسوب والرياضيات. يتضمن المقال التالي تسلسلاً تاريخيًا يرصد تطوّر علم الجينات على مرّ التاريخ:

منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى أواخره

مهدت نظريات التطوّر الطريق أمام انطلاق علم الجينات، فكانت البداية في العام 1858 عندما ساهم العالمان تشارلز داروين وألفرد والاس بوضع أسس الانتخاب الطبيعي والتطور، فوصفا كيف ظهرت أنواع جديدة من الكائنات بسبب التطوّر وكيف لعب الانتخاب الطبيعيّ دورًا في ظهور أشكال جديدة، إلا أنَّهما لم يعرفا دور الجينات في هذا الأمر. في ذات الفترة تقريبًا، بدأ الراهب النمساويّ، جريجور مندل تجاربه الشهيرة في علم الوراثة وعلم الجينات على نبات البازلاء، إذ وصف مندل الوحدة الأساسيّة للوراثة بأنَّها جُسيم لا مُتغيّر يتم تمريره من جيلٍ إلى جيل. في واقع الأمر، تُعدُّ تجارب مندل وأعماله حجر الأساس في علم الوراثة كما نعرفه اليوم، لذا؛ يُطلق على جريجور مندل لقب (أبو علم الوراثة الحديث).

إرنست هيجل أيضًا لعب دورًا في علم الوراثة، إذ تنبأ بوجود المادّة الوراثيّة في نواة الخليّة، أما عالم الأحياء السويسريّ فريدريك ميشر، فقد أظهر أنَّ المادة الموجودة في النواة هي حمضٌ نوويّ. في تلك الفترة كذلك، تم اكتشاف الكروموسومات بوصفها وحدات تحمل معلومات وراثيّة.

أوائل القرن العشرين

في تلك الفترة تم وضع أُسس النظرية الكروموسوميّة للوراثة وتم البدء بدراسة مبادئ مندل في علم الوراثة، حيث إنَّ أعمال مندل لم تكن معروفةً حتى مطلع القرن العشرين. أدّى تطوّر النظريّة الكروموسوميّة إلى ظهور علم الوراثة الخلويّ. وفي تلك الفترة أيضًا تم تسجيل أوائل المشاهدات لحالات الطفرات الكروموسوميّة (مثل طفرات الحذف، وطفرات الإزاحة، وطفرات الانقلاب)

منتصف القرن العشرين

في سبعينيات القرن التاسع عشر تم التعرف على المادة الموجودة في النواة على أنَّها الحمض النووي، وفي الفترة التي تتراوح ما بين عشرينات وخمسينات القرن العشرين، تم تعريف الـ DNA

 

 بوصفه المادّة الوراثيّة، وذلك بعد قيام فريدريك غريفيث عام 1928 بإجراء تجارب على السلالات البكتيريا لدراسة المادة الوراثيّة الخاصّة بها، فكانت نتيجة هذه التجارب اكتشاف ما يُعرف بالتحوّل الوراثيّ. لم يستطع غريفيث تحديد المادّة المسؤولة عن التحوّل الوراثيّ، من استطاع تحديدها هُم العلماء أوزوالد أيفري وكولن ماكلويد وماكلن مكارتي بعد تجربتهم التي أُجريت عام 1944، والتي كانت نتيجتها اكتشاف أن الكروموسومات والجينات مكوّنة من الDNA الذي يحمل الشيفرة الوراثيّة.

في العام 1953 نشر العالمان جيمس واتسون وفرانسيس كريك النتائج المدوية لتجاربهما، والتي أسفرت عن تحديد التركيب الجزيئي للحمض النووي (DNA) أيّ شكله الحلزونيّ المزدوج. لاحقًا في الستينيات، تم فكّ الشيفرة الوراثيّة التي يحملها.

 

                                                                                 واتسون وكريك                                                                 


نهايات القرن العشرين ومطلع الألفيّة الجديدة

أتت هذه الفترة مُبشرةً بولادة علم الأحياء الجزيئيّ وعلم الوراثة الجزيئيّ، وذلك بفضل الثورة التكنولوجيّة التي شقّت طريقها عبر علم الوراثة، لتنتج لنا تقنيات متقدّمة في هذا العلم؛ مثل تقنية إعادة تركيب الحمض النووي أو ما يُعرف بالحمض النووي المأشوب، بالإضافة للتقنيات الإحيائيّة المتنوعة.

خلال هذه الفترة أيضًا تم تطوير ما يُعرف بتقنية الوسم الإشعاعيّ أو التوسيم بالنظائر المُشعّة، وذلك بهدف استحداث الطُرق العلاجيّة والتشخيصيّة، كما بدأ استخدام إنزيمات الاقتطاع لبناء جزيئات الحمض النووي المأشوب، التي تحتوي على حمضٍ نوويٍ دخيل (غريب)، حيث تُستخدم هذه الجزيئات بكثرة لزراعتها في السلالات البكتيريّة المختلفة. بعد ذلك؛ تواترت التقنيات بالظهور، مثل تفاعل البلمرة المتسلسل PCR، بالإضافة للعديد من التقنيات الحيوية والتطبيقات الطبيّة وتطبيقات علم المعالجة الدوائيّة.
 

سلسلة الطب الدقيق (4): الأمراض الوراثيّة

ماذا نعني بقولنا أنّ المرض وراثيّ؟

يعني ذلك أنّ هناك أساسًا جينيًّا للمرض، فيمكن لهذا المرض أن ينتقل من الآباء إلى الأبناء (أو من جيلٍ إلى جيل)، هذا ومن الممكن أن يكون أكثر من فردٍ في نفس العائلة يعانون من مرضٍ ما دون أن يكون وراثيًّا، وذلك لأنهم يشتركون بنفس البيئة كالعادات الغذائيّة مثلًا، وفي أحيانٍ أخرى يساهم كلا العاملين الوراثي والبيئي في تطوّر بعض الأمراض.

لا بدّ أنّك عرفتَ الآن لماذا يسأل طبيبك عن حالاتٍ مشابهةٍ في العائلة (الصغيرة أو الممتدّة) للأعراض التي تعاني منها عند زيارته.

ما هي الأمراض الوراثيّة، وكيف تنشأ؟

يتكوّن جسم الإنسان من ملايين الخلايا، تقوم كلّ خليّة بوظيفتها. تشترك جميعها بوجود نواة تحيط بمادتها الوراثية، تترتّب المادة الوراثيّة على شكل كروموسومات (صبغيّات)، وتحتوي كل خليّة جسديّة في جسمنا على 23 زوجًا من الكروموسومات، وهي الوحدات المسؤولة عن تناقل الصفات الوراثيّة من جيلٍ إلى آخر. قد تحدث بعض الاضطرابات أو الأخطاء في ترتيب المادة الوراثيّة على مستوى الكروموسوات أو حتى على مستوى الجينات، تسمّى الأخطاء التي تحدث على مستوى الجينات بالطفرات -كما وضّحنا سابقًا-، ينتج عن هذه الأخطاء أمراض واضطرابات معيّنة، وتقسم تبعًا لطبيعة الطّفرات التي حدثت إلى:

1- أمراض الكروموسومات التي تحدث نتيجة لوجود خلل في كروموسوم واحد أو جزء كبير منه (من نقصان أو زيادة أو أيّ تغيّر آخر)، ولعلّ المثال الأشهر على هذه الأمراض هو متلازمة داون.

2- الاضطرابات أحاديّة الجين Single-gene disorders وهي التي تحدث في جينٍ معيّنٍ متسبّبة في توقّفه عن الوظيفة التي كان يقوم بها، ومن الأمثلة على ذلك الثلاسيميا.

3- الاضطرابات متعدّدة العوامل تحدث بسبب طفرات في جينات متعدّدة، وفي الغالب تكون الإصابة بها متعلّقة بعوامل بيئيّة، ويُعَدُّ مرض السّكري والسرطان من أشهر الأمثلة على هذه الاضطرابات.

4- الاضطرابات الـمُتَقَدِّرِيّة (Mitochondrial disorders): وهي الاضطرابات التي تنتج عن طفرات في المادة الوراثيّة التي تكون موجودة داخل الميتوكندريا في الخليّة وليس في نواتها، وقد وُجِدَ أنّ هذا النوع من الاضطرابات يؤثّر على أي جزء من الجسم؛ كالدماغ والعضلات.

كما تلعب الجينات دورًا في الأمراض المعدية -كالسَّل والإيدز-، أو غيرها من الأمراض غير المعدية -كالسرطان والسكري- كما سنذكر لاحقًا خلال هذا المقال.

1- أمراض الكروموسومات:

سنتحدث هنا عن أكثر هذه الأمراض شيوعًا، وهي متلازمة داون:

  • متلازمة داون:

تنتج متلازمة داون من وجود نسخة ثالثة من الكروموسوم رقم 21، فيكون لدى الشخص المصاب بها 47 كروموسومًا. يحدث هذا نتيجة لخطأ أثناء انفصال الكروموسومات خلال تكوين الجاميتات، ورغم أن سبب خطأ الانفصال غير معروف إلّا أن احتمال حدوثه يزداد مع تقدّم عمر الأم. تسبب هذه المتلازمة عدة مشاكل لدى الشخص المصاب فبالإضافة إلى الصّفات الشكليّة المميّزة، يعاني الأشخاص المصابون بمتلازمة داون من إعاقة عقليّة واضطرابات السلوك بدرجات متفاوتة من شخص لآخر، بالإضافة إلى مشاكل جسديّة أخرى كأمراض القلب، والدّم، وانسدادات الجهاز الهضميّ، وغيرها.

2- الأمراض الجينيّة النقيّة (الأمراض أحاديّة الجين):

وهي الأمراض التي تنشأ نتيجة لحدوث تعديل على جين واحد في كلِّ خلايا الجسم، ورغم أنها نادرةٌ نسبيًّا، إلّا أنّ ملايين الأشخاص حول العالم يعانون منها، فيُقدّر العلماء أن أكثر من عشرة آلاف مرض عُرِفَت بأنها أحاديّة الجين. تُقدّر معدّلات الإصابة ب10 حالات لكل ألف، ويقدّر أنَّ 40% من عمل أطباء الأطفال في مستشفيات كندا يعود للأمراض أُحاديّة الجينات. تعتمد طبيعة المرض الناتج عن التعديل المذكور على وظيفة الجين الذي غيّرت منه الطفرة، ويمكن تصنيف هذه الأمراض -بناءً على نوع وراثتها- إلى ثلاث فئات:

1-    الأمراض الجينيّة السائدة

2-    الأمراض الجينيّة المتنحيّة

3-    الأمراض الجينيّة المرتبطة بالجنس (بالكروموسوم X)

وإذا كنتم تتساءلون عن الفرق فيما بينها، فإليكم الإجابة!

كل البشر لديهم نسختين من كل جين، تُعرَف النّسخة الواحدة منها بالأليل. يلزم أن يكون الأليلين مُختلَّين حتى يصاب الإنسان بالأمراض الجينيّة المتنحيّة، أما الأمراض التي يكون اختلال أليل واحد في خلايا الإنسان كافيًا للإصابة بها فتُعرَف بالأمراض الجينيّة السائدة. أمّا إذا كانت الجينات المصابة محمولة على الكروموسوم X فإنها تُسمَّى الأمراض المرتبطة بالجنس، ومن الممكن أن تكون سائدة أو متنحيّة كغيرها من الأمراض.

الثلاسيميا وفقر الدم المنجليّ ونزف الدم (الهيموفيليا) والتليُّف الكيسيّ وغيرها من أشهر الأمثلة على هذه الأمراض، وفي ما يلي تعريف بسيط بالثلاسيميا:

  • الثلاسيميا:

الثلاسيميا بنوعيها -ألفا وبيتا- من أشهر الأمراض الجينيّة المتنحيّة في العالم، والتي تنتج عن اختلال الجين المسؤول عن أحد الأحماض الأمينيّة في سلسلة الهيموغلوبين الموجود داخل خلايا الدم الحمراء، ممّا يؤدّي إلى خلل في وظيفتها. يتكوّن مركّب الهيموغلوبين من 4 وحدات (ألفا وبيتا)، تحمل الجينات المسؤولة عن سلسلة ألفا على الكروموسوم 16، بينما تُحمَل الجينات المسؤولة عن سلسلة بيتا على الكروموسوم 11، ويتمّ تقسيم أنواع الثلاسيميا بناءً على السلسلة الغائبة في كل نوع، فعلى سبيل المثال؛ إذا كانت جينات السلسلة ألفا هي المصابة فإن ذلك يؤدي إلى غيابها، وحينئذٍ يكون الشخص مصابًا بالثلاسيميا من النوع ألفا، وهكذا.

تعتمد شدّة الثلاسيميا وخطورتها على الجين المصاب ونوع الطفرة التي حدثت، ويمكن فحص الثلاسيميا عبر فحوصات الدمّ الروتينيّة، إلا أنَّه يمكن تشخيصها منذ الأسبوع العاشر إلى الحادي عشر من الحمل عبر أخذ عيّنة من خملات الكوريون أو السائل المحيط بالجنين.

3- الجينات والأمراض غير المعدية:

تتخلّل اضطرابات الجينات معظم الأمراض، هذا بالإضافة إلى تأثير العوامل البيئيّة بالطبع، فقد لا يولد الشخص مصابًا بالمرض، إلّا أنّه يكون عرضةً له بشكل كبير، وهو ما يُدعى بالاستعداد الوراثيّ. تعمل منظمة الصحة العالمية على بحث علاقة بعض الأمراض غير المعدية الشائعة بالجينات، فعلى سبيل المثال يرتبط حدوث السرطان ببعض الجينات المُثبِّطة للأورام بالإضافة إلى نمط الحياة المُتَّبَع، وتميل أمراض القلب والشرايين للظهور بأشكال مختلفة باختلاف العِرق، فالأشخاص من أصل أفريقيّ يعانون من السكتات الدماغية التي تنتج عن أمراض القلب والشراييين، بينما الجنوب آسيويين يميلون للإصابة بالجلطات القلبيّة. فهم الاستعداد الوراثيّ لمرضٍ ما وأهميّة التعديل على نمط الحياة (كالإقلاع عن التدخين أو شرب الكحول) وما يعكسه ذلك على تقليل أو زيادة احتماليّة الإصابة بالمرض مهم جدًا للعامّة، لمساعدتهم على اتّخاذ قرارات صحّية هامّة تنعكس على حياتهم وصحّتهم.

  • السرطان:

حسب منظمة الصّحة العالميّة (2002)، فإنّ السرطان يتسبَّبُ بـ7.1 مليون وفاة سنويًا. يمكن أن يحدث السرطان نتيجة لطفراتٍ في جيناتٍ مسؤولة عن ترجمة بروتينات تساهم في عمليّة تضاعف الخلايا أو تصحيح الأخطاء الناتجة عن عملية نسخ الحمض النوويّ، وتنعكس هذه التغيّرات الجينيّة على الخلايا خلال تحوُّلها إلى خلايا سرطانيّة. خطوات تحوّل الخلايا لا تحدث فجأة، أي أنّ الخلايا لا تصبح سرطانيّة بين ليلة وضحاها، فقد تستغرق العملية عادةً 20 عامًا أو أكثر. الطفرات في الجينات المهمة (الجينات المُثبِّطة) أو (جينات السَّرطنة) أو الجينات اللّازمة لتصحيح الأخطاء التي قد تحدث في المادة الوراثيّة تؤدّي جميعًا إلى عدم استقرار الجينات وخسارة الخلايا لتمايزها بالتدريج، كما وتمتاز هذه الخلايا بقدرتها على تكوين الأوعية الدمويّة الخاصّة بها لتغذية الورم، بالإضافة إلى فقدانها القدرة على موازنة تضاعف الخلايا بالموت المُبرمَج؛ ممّا يؤدّي إلى نموّ الأورام بسرعة واستعمارها للأنسجة المحيطة، والانتشار عبرها أو عبر الدم أو الجهاز اللّمفيّ إلى أعضاء بعيدة.

  • السّكري:

يُقدّر أنّ 180 شخصًا حول العالم يعانون من السكري اليوم. يحدث السّكري عندما لا يستطيع الجسم إنتاج كميّة تكفيه من هرمون الأنسولين أو عندما يحدث خلل في عملية دخول السّكر إلى الخلايا، ممّا يؤدي إلى ارتفاع تركيز السكر في الدم، ممّا يؤدي إلى مضاعفاتٍ عديدة طارئة أو مزمنة، لا يزال سبب حدوث السّكري غامضًا، لكنّ العامل الوراثيّ وبعض العوامل البيئيّة كالسّمنة وعدم ممارسة الرياضة تلعب دورًا رئيسيًّا بحدوثه.

للسكري أنواع مختلفة:

– النوع الأول: يحدث نتيجة لتدمير خلايا البنكرياس نتيجة لمهاجمته من قبل جهاز المناعة، أو مرض فيروسي، أو غيره، وغالبًا ما يحدث عند الأطفال.

– النوع الثاني: ينتج هذا النوع عن مقاومة خلايا الجسم لهرمون الأنسولين، وعادةً ما تكون هذه المقاومة ناتجة عن السّمنة.

– سكري الحمل: وهو نوع يصيب السيّدات الحوامل خلال فترة حملهنّ.

4- الأمراض المعدية والجينات:

بالإضافة إلى العامل الوراثيّ الّذي يلعب دورًا مهمًّا في تطوّر بعض الأمراض المعديّة، تلعب الجينات أيضًا دورًا مهمًا في العلاج من بعض الأمراض المعدية؛ كالإيدز، والسّل، والملاريا.

بالإضافة إلى العلاج، كيف يمكن الاستفادة من علم الجينات في الطب؟

الاختبارات والفحوصات الجينيّة لها العديد من التطبيقات الطّبية خاصة في فحوصات ما قبل الولادة لمعرفة ما إذا كان الجنين حاملًا لجين مرضٍ ما، أو للتشخيص، أو في علم الوراثة الدوائيّ.

وقد أسدلت التدخّلات الجينيّة الطبيّة الستار على العديد من الأسئلة الأخلاقيّة التي لا يزال مُختلَفًا على إجاباتها، هذا بالإضافة إلى العديد من القضايا المتعلّقة بدقّة البيانات وتحليلها وحفظها واسترجاعها.

سلسلة الطب الدقيق (3): ما هو علم التخلُّق؟

الجينوم هو المجموعة الكاملة للحمض النوويّ الخاص بالكائن الحي ويحتوي على كل الجينات (الوحدة الوظيفيّة والعضويّة). كل جينوم يحتوي على جميع المعلومات اللازمة لبناء واستمراريّة الكائن. في كل خليّة ذات نواة في جسم الكائن البشريّ توجد نسخة كاملة من الجينوم فيها أكثر من ٣ مليارات زوج قاعديّ للحمض النوويّ.

لنتخيل أنَّ الجينوم هو كتاب يحتوي على كلِ المعلومات التي تبني وتُشغّل هذا الكائن -كدليلِ الاستخدام الذي نجده مع كل جهاز- هذا الكتاب فيه ٢٣ فصل وكل فصل هو زوج كروموسومات، الفصل الواحد يحتوي آلاف القصص وكل قصّة هي (جين) له وظيفته وقصته التي ستترجم لاحقاً إلى بروتين، كل قصة تتضمن عدّة فقرات وهي قطع الإكسونات والإنترونات التي يتكوّن منها الجين. كل فقرة تحتوي على عددٍ من الكلمات وهذه هي الكودونات. وكل كلمة تحتوي على ثلاثة حروف تسمى قواعد، لكن الاختلاف هنا أنَّ كتاب الجينوم قد كُتِبَ باستخدام الحروف الأربعة التالية فقط -أربعة قواعد G-C-T-A تُقرأ في بعض المرات من اليسار إلى اليمين وبعض المرات من اليمين إلى اليسار. المدهش أيضاً في كتاب الجينوم أنَّه قادرعلى أن يصوّر نسخةً من نفسهِ وتُسمى عملية النسخ هذه بعمليّة الترجمة.

ما هو علم التخلّق أو ما فوق الجينوم؟

الجينوم وما يحتويه من شيفرة الحمض النوويّ ما هو إلا جزء من الصورة الكاملة، سلسلة الحمض النووي في الحقيقة ملتفّة حول بروتينات تدعى هستونات، وتوجد فوق كلّ الهستونات وأجزاء الحمض النووي مركبات كيميائيّة تتفاعل وتتأثر بالبيئة الخارجيّة. هذه المركبات ليست جزءًا من شيفرة الحمض النوويّ، وإنّما تكون ملتصقةً فوقه لهذا يسمى المصطلح بالإغريقية epigenetics وكلمة epi تعني فوق أي ما فوق الجينات. هذه المركبات الكيميائيّة تؤثر على فاعليّة الجينات، فمثلاً قد تؤدي إلى تنشيط جين مُعيّن أو إلى تثبيطه، فلا تتم قراءته ولا ترجمته بالرغم من وجوده الفعليّ في الشيفرة. العوامل التي تؤثر على هذه المركبات الكيميائيّة تأتي من البيئة الخارجيّة؛ كنوعِ الحمية الغذائيّة والتعرّض للضغطِ النفسيّ، وتلوّثِ الهواء وغيرها من المؤثرات البيئيّة. هذه المركبات الكيميائيّة لا تُغيّر تسلسل الحمض النوويّ نفسه وإنَّما تُغيّر من طريقة الخليّة في التعامل مع بيانات الحمض النوويّ؛ فمثلاً في حالات التوائم -الذين يكون لديهم أكبر قدرٍ ممكن من تشابهِ الجينات بينهم- إذا افترضنا أنَّ الاثنين لديهما طفرة في جين مُعيّن يرفع احتمالية إصابتهما بمرضٍ ما أو ورم، قد نجد أحيانًا أنَّ أحدهما فقط مُصاب بينما الآخر غير مصاب مع أنَّه يحمل نفس الطفرة في نفس الجين! السبب قد يكون اتباعه لنظامٍ صحيّ جيد في حياته، مما أدى إلى تثبيط وإيقاف عمل هذا الجين وهنا تكمن أهمية نمط حياة الإنسان.

إذن فالتخلُّق -أو ما فوق الجينات- هو ما يخبر الجينوم ماذا عليه أن يفعل وأي الجينات ستترجم من كتاب الجينوم.

ماهي عملية المَثْيَلَة وأسترة الهستونات؟

تعتبر المَثْيَلَة أحد أنواع تغيُّرات ما فوق الجينات، وهي عملية إضافة جزيئات صغيرة تُسمى مجموعة ميثيل إلى سلسلة الحمض النوويّ وكل مجموعة ميثيل تتكوّن من ذرةِ كربون واحدة وثلاث ذرات هيدروجين. عند إضافة مجموعة الميثيل لجين مُعيّن ينتج عن ذلك تثبيط عملية نسخ للجين وإسكاته عن وظيفته مما يؤدي لعدم قراءته ولا ترجمته لبروتين مُعيّن. يوجد آليات أخرى بالإضافة للمَثْيَلَة تساهم في التخلّق كأسترة الهستونات وهي عملية إضافة جزيئات تدعى مجموعة أسيتيل -تتألف من مجموعة ميثيل مضافة لكربونيل- لذيول الهستونات. وعند أسترة ذيول الهستونات يؤدي ذلك إلى إتاحة الفرصة لنسخ هذا الجين وبالتالي تحفيز عملية ترجمته لاحقًا.

كيف يعمل علم التخلّق داخل خلايا الجسم المختلفة؟

جسم الكائن الحي يحتوي آلاف المليارات من الخلايا المتخصصة في وظائف مختلفة، كل خلية تحمل نفس نسخة الجينوم كاملةً داخل نواتها لكن الذي يحدد اختلاف خليّة العين عن خليّة العظم هو التخلُّق أو ما فوق الجينات. هذا الاختلاف بين الخلايا نتج عن طريق كميّة ونوعيّة الجينات التي تم تنشيطها أو تثبيطها في هذه الخلايا. فمثلاً خلايا العين تقوم بتنشيط الجينات المسؤولة عن صنع البروتينات التي تتفاعل مع الضوء بينما خلايا الدم الحمراء تنشّط الجينات المسؤولة عن البروتينات التي تحمل الأكسجين إلى أنحاء الجسم.

هل يمكن للتخلُّق أو ما فوق الجينوم أن يتغيّر؟

بالرغم من أن الخلايا جميعها تحتوي نفس الجينوم لكن نوع حياة الإنسان والعوامل البيئيّة (كالتدخين والحمية الغذائيّة والأمراض الجرثوميّة وغيرها) قد تعرّض الخلية لضغطٍ يتفاعل مع المركبات الكيميائيّة الملتصقة على سلسلة الحمض النووي. التغييرات التي ستنتج عن هذه التفاعلات قد تكون في بعض الأحيان خطيرة ومؤذية، والعكس صحيح.

هل يمكن توارث معلومات ما فوق الجينات؟

هذه التغييرات يمكن تناقلها من خليّةٍ لأُخرى خلال عملية انقسام الخليّة وبالتالي يمكن توارثها من جيلٍ لآخر. انتقال هذه التغييرات خلال الانقسام يساعد هذه الخلايا في إبقائها متخصصة بوظائفها المعروفة.

ما علاقة تغييرات التخلق أو ما فوق الجينات بالسرطان؟

السرطان هو نتيجة تغييرات في الجينوم أو ما فوق الجينوم أو كليهما معًا. بالنسبة للجينوم، فالسرطان يحدث نتيجة طفرات في سلسلة الحمض النوويّ أما بالنسبة لما فوق الجينوم فهو نتيجة تنشيط أو تثبيط جينات مسؤولة مثلاً عن نمو الخليّة أو ردة فعل المناعة، هذه التغييرات تؤدي إلى نموٍ سريع وخارج عن السيطرة للخليّة أو فشل جهاز المناعة في محاربة السرطان.