الهذيان الارتعاشي

الهذيان الارتعاشي هو عرضٌ انسحابي يُرافق الإقلاع المُفاجئ عن تناول الكحول بعد إدمانها لمدةٍ طويلة، يُسبب هذا الإقلاع المُفاجئ حالةً من الارتباك تبدأ أعراضها بالظهور على الشخص خلال ثلاثة أيام من تناوله لآخر جرعة كحولية، من أعراضها الجسدية؛ الارتعاش، عدم انتظام معدَّل ضربات القلب والتَّعرق، قد تبدو هذه الأعراض بسيطة أو غير مقلقة، لكن للواقع رأيٌ آخر، إذ أنَّ الأعراض التي تشمل ارتفاع درجة حرارة الجسم وحدوث بعض النوبات قد تؤدي إلى الموت في أحيانٍ كثيرة. خِلافًا لما هو متوقع، يُعدُّ الكحول أحد أكثر أنواع المخدّرات خطورة عند الإقلاع عنه، فالإقلاع عن استخدام المنبّهات مثل الكوكايين لا يتضمّن مضاعفات طبيّة بشكل كبير كتلك التي يمكن حدوثها في حال الإقلاع عن الكحول.

يترافق مع حدوثِ الهذيان الارتعاشي مشاكل عديدة، مثل الاضطرابات الكهربائيّة في الجهاز العصبي، التهاب البنكرياس والتهاب الكبد الكحولي، لذا ولمنع تفاقم هذه المشاكل، ينبغي الإسراع في علاج الهذيان الارتعاشي وأعراضه، يوصى بالعلاج في وحدة العناية المركَّزة، في جوٍّ هادئ وإضاءة كافية، أما دوائيًا، فالأدوية التي يُفضل استخدامها للعلاج هي الأدوية المهدِّئة والمضادَّة للاكتئاب مع الديازيبام (دواء مهدِّئ ومرخٍ للعضلات) ولورازيبام (دواء مضاد للقلق) والكلورديازيبوكس وأوكسازيبام (دواء مهدئ)، إضافةً لما سبق، تُستخدم العقاقير المؤثِّرة نفسيًّا والأدوية المهدِّئة والمضادَّة للقيء، يوصى أيضًا بتناول فيتامين الثيامين. إنَّ لإهمال العِلاج خطراً لا يُستهانُ بهِ، إذ أنَّ نسبة الوفيَّات التي حدثت بسبب عدم تلقي العِلاج كانت تتراوح ما بين ( 15 – 40 )%، أما حاليًا فانخفضت تلك النسبة لتتراوح ما بين (1-4) %.

استُخدم مُصطلح الهذيان الارتعاشي لأول مرَّة عام 1813، أما الأعراض فقد وصفت بدقة قبل قرنٍ من إطلاق التّسمية هذه، أما عن أصل التّسمية، فكلمة هذيان (Delerium) باللغة الإنجليزية هي كلمة لاتينية الأصل وتعني “الانحراف عن خطِ الحراثة” وذلك للتعبير مجازاً عن الحركات السريعة غير المنتظمة التي يقوم بها المريض، تُسمّى هذه الحالة أيضًا بالهيجان الارتعاشي ومتلازمة سوندرز- ساتون، كما أنَّ لها ألقابًا عِدة مثل: برميل الحمَّى، أهوال الزرقاء، آلام القارورة، الخفافيش، أهوال السُّكر، الفِيَلة، مرض الجالون، الهوس الرباعي، العناكب الوردية، وغيرها.

الأعراض

من أهمِّ أعراض الهذيان الارتعاشي هي الكوابيس، التهيُّج، التشوُّش العام، هلوسة بصرية سمعية وحسيّة، الحمَّى، ارتفاع ضغط الدم، التعرق الشديد، وأعراضٌ أخرى تتعلَّق بارتفاع نشاط الجهاز العصبي الذاتي (زيادة سرعة دقَّات القلب وارتفاع ضغط الدم). قد تظهر هذه الأعراض بشكل مفاجئ، ويمكن أن تتطوَّر خلال يومين إلى ثلاثة أيام بعد التوقُّف عن الإفراط في شرب الكحول وتبلغ ذروتها في اليومين الرابع والخامس، كما تزداد وتيرتها أثناء الليل. أما الأعراض الشائعة الأُخرى، فتشمل اضطراب الإدراك الحسي مثل رؤية الحشرات، الثعابين والفئران، وقد ترتبط هذه التهيؤات بالهلوسة الحسيّة، مثل شعور المريض بأن شيئًا ما يزحف على جسده، وتُعرف هذه الظاهرة بـ “التنمُّل”. إضافةً للأعراض السابق ذكرها، فعادةً ما يشعرالشخص الذي يعاني من الهذيان الارتعاشيِّ شعورًا قويًّا وشديدًا بما يسمَّى ” الموت الوشيك “، ويُعتبر القلق الشديد والشعور باقتراب الموت من الأعراض الشائعة للحالة، كما يترافق الهذيان الارتعاشي أحيانًا مع الارتعاش اللاإرادي الشديد في الأطراف، وأعراض ثانويَّة أخرى مثل: القلق ونوبات الهلع والذُّعر، عدا عن أنَّ المصابين يجدون صعوبة في تشكيل الجمل البسيطة أو إجراء العمليَّات الحسابيَّة المنطقيَّة الأساسيَّة.

ينبغي عدم الخَلط ما بين الهذيان الارتعاشي وداء الهلوسة الكحوليَّة، إذ أنَّ داء الهلوسة الكحوليَّة يُصيب حوالي 20% من مدمني الكحول في المستشفيات ولا يُسبب الكثير من الوفيّات، خلافاً للهذيان الارتعاشي الذي يُصيب نسبة تتراوح ما بين (5-10)% من مدمني الكحول والذي يتسبب بمعدَّل وفيات يصل إلى 15% من الحالات التي تلقت علاجاً، و35% من الحالات التي لم تفعل.

الأسباب

يحدثُ الهذيان الارتعاشي عند الانقطاع المُباشر عن تناول الكحوليات بعد معاقرتها وإدمانها لمدةٍ طويلة، ذلك لأنَّ المواد الكحولية تعمل كمواد مُثبطة عبر زيادة فاعلية حمض غاما-أمينوبيوتيريك GABA والذي يُعد أهم ناقل عصبي مُثبط في الدماغ، في ظلِّ غياب المواد الكحولية تقلُ فاعلية النواقل العصبية المُثبطة مما يؤدي إلى بقاء الدماغ في حالةِ تحفيز تؤدي بدورها إلى أعراضِ الهذيانِ الارتعاشي. هناك سببٌ آخر للهذيان الارتعاشي وهو التوقف المفاجئ عن تناول الأدوية المهدِّئة مثل الباربتيورات والبنروديازيبينات لدى المرضى الذين يعانون من إدمان قويٍّ نسبيًّا على هذه الأدوية، ذلك لأنَّ تأثير هذه المُهدئات الأساسي ينبعُ من تلاعبها بمستقبلات الناقل العصبي GABA  بزيادة حساسيتها له، مما يؤدي لاستيعابها كميات أكبر منه، بالتالي زيادة حالة التثبيط –تماماً كما تفعل الكحول-  تكون الأعراض الانسحابية للإقلاع عن تناول هذه الأدوية مشابهًا لتلك التي تظهر في حالة الإقلاع عن تناول الكحوليات، للمفارقة تُعدُّ البنزوديازيبينات علاجًا فعالًا للهذيان الارتعاشيّ، على الرغم من كونها سببًا لحدوث أعراض شبيهة له في كثيرٍ من الحالات، ذلك لأنَّ الإيثانول والمهدِّئات مثل الباربيتورات والبنزوديازيبينات تعمل على زيادة حساسية المستقبلات لمادة الـ GABA، والتي تعمل بدورها على تثبيط حالة التحفيز التي يمرُ فيها الدماغ، لذا ولتجنيب حدوث فجوة بين طوريّ التحفيز والتثبيط، يلجأ المُعالجون لهذه الأدوية لتوفير مواد بديلة للكحول لكي تلعب الدورالذي كانت تلعبهُ في تثبيط النواقل العصبية.

العلاج

يمكن علاج الهذيان الارتعاشي بالبنزوديازيبينات، وقد يكون من الضروريِّ إعطاء جرعات عالية لمنع الموت، تُحدد كمية الجرعة اعتمادً على شدَّة الأعراض، وعادةً ما يتم إبقاء الشخص مخدَّرًا بالبنزوديازيبينات مثل: أوكسازيبام، وديازيبام، ولورازيبام، والكلورديازبوكسيد. في بعض الحالات تستخدم مضادَّات الذهان مثل: هالوبيريدول. فيما مضى، كان العلاج التقليدي ينطوي على إعطاء الأدوية مثل الكلوميثيازول وبارالديهايهيد، إلا أنَّها قد استبدلت في الوقت الحالي بالبنزوديازيبينات، في بعض الظروف، قد يلجأ الأطباء للأدوية القديمة كبديل.

يستخدم أكامبروزيت (acamprosate) في بعض الحالات بالإضافة إلى الأدوية الأخرى، ومن ثمَّ تتمُّ متابعة استخدامه على المدى الطويل للحدِّ من مخاطر الانتكاس، في حالة حدوث نوبة صرع لدى المُصاب فيتم علاجها كما تُعالج نوبات الصرع الاعتيادية. جنبًا إلى جنب مع استخدام الأدوية، فإنَّ السيطرة على المحفِّزات البيئيَّة مفيدٌ أيضًا، كتعريض المُصاب لدرجة إضاءة مُناسبة ومريحة، تضمن عدم تكوين تفسيرات بصريَّة خاطئة مثل الهلوسة البصريَّة.

القرحة

لا شكَ أنَّ الالتهاب الخارجي المفتوح يكونُ مؤلمًا وقابلاً للتهيّج بسهولة، إلا أنَّ للالتهاباتِ الخارجية جانب مشرق ألا وهو حقيقة كونها مكشوفة وظاهرة للعيان، مما يُسهل عِلاجها بإحدى الطرق العديدة مثل استخدام الضمادات أو الأدوية الموضعيّة؛ في المُقابل، يزدادُ أمر الالتهابات تعقيدًا في حال كانت داخلية، ولعل أشهر تلك الالتهابات وأكثرها إزعاجـًا هو القرحة. تتعددُ أنواع القرحة بتعددِ مواطن تشكلها، إلا أنَّ لها جميعها قاسمًا مُشتركـًا واحدًا، وهو كونها مزعجة جداً إضافةً لتربصها بالجميع بغضِ النظر عن الاختلافات في الحالةِ الصحية فيما بينهم. يستعرضُ هذا المقال أشهر أنواع القُرحة، أسبابها وأعراضها.

قُرحة المريء

على الرغمِ من قِلة عدد الإصابات بالقرحة في المريء – وهو الأُنبوب الواصل من الفمِ إلى المعدة –  إلا أنَّ أسبابها شائعة، أما السبب الأكثر شيوعًا فهو الارتجاع المريئي – وهو الشعور بالحرقة في المنطقة الواصلة بين المعدةِ والمريء- والذي يُمكن أن يتسبب بقرحةٍ يبلغُ طولها 2.5 سم في المريء، قد يستهين البعضُ بهذا الأمر ظنّاً منهم أنه لن يتسبب بأذىً فعلي، إلا أنَّهُ قد يؤدي إلى تآكل بطانة المريء لديهم في حال تكرار حدوث الارتجاع المريئي لأحماض المعدة دونما عِلاج.

يُصاب الأشخاص بالقرحة في المريء بفعلِ أسبابٍ أُخرى أيضًا، مثل تناول أدوية مُعيّنة، التدخين والإصابة بعدوىً فطرية أو فيروسية، مثل فيروس الهيربس (Herpes) أو فيروس العَوَزُ المناعيُّ البشريُّ ((AIDS. قد يكون مرض النُهَام سببًا من أسبابِ قرحة المريء كذلك، وهو نوعٌ من اضطرابات الأكل التي يقوم فيها الشخص بالتخلص مما تناوله عبر التقيؤ. لقرحةِ المريء أعراض عِدة، مثل: المشاكل والآلام المُصاحبة لعملية البلع، حُرْقَةٍ في المَعِدَة، غثيان، ألم في الصدرِ وتقيؤ الدماء.

قرحةُ المَعِدَة والأمعاء الدقيقة

يُمكن إدراج نوعا القرحة هذيّن تحت فئة القرحة المدعوّة بالقرحةِ الهضميّة (Peptic ulcers)، والتي تتعدد أعراضها، لكن العَرَض الأكثر شيوعًا هو الألم الناجم عن الشعور بالحرقةِ في المعدة والذي يصبح أسوأ في حال كانت المعدة خاوية، أما بقية الأعراض فهي الانتفاخ، كثرة التجشؤ والغثيان، وفي الحالات المتقدمة فهي تقيؤ الدم، وجود دماء مُصاحبة للبراز، صعوبة التنفس، حدوث تغيّرات في الشَهيَّة وفقدان الوزن. أما عن أسباب الإصابة بهذا النوع من القرحة، فهي عديدة وأكثرها شيوعًا هو الاستخدام طويل المدى لبعض مسكنات الألم التي لا تستلزم وصفة طبية، مثل الأسبرين، أدوية الأيبوبروفين ibuprofen medications – مثل أدفيل Advil وموترين Motrin –  أو أقراص نابروكسين صوديوم naproxen sodium pills ، بالإضافة لما سبق، فإنَّ التّوتر والأطعمة الغنية بالتوابل يمكنهما جعل القرحة أسوأ وأكثر إيلامًا. تُدعى القرحة الهضمية بـ قُرْحَةُ المَعِدَة عندما يكون موطنها هو المَعِدَة، في حين أن تلك الموجودة في الجزء العلويِّ من الأمْعَاءِ الدقيقةِ تُدعى بـ قرحة الاثني عشر .

قرحةُ المُستقيم

قد يتحرجُ البعض من الحديث عن قرحةِ المُستقيم، نظرًا لكونهِ ذاك الأُنبوب المُمتد من نهاية المَعي الغليظ وصولاً إلى فتحة الشرج، إلا أنَّ تفاقم هذه القرحة سيكون أسوأ بكثير من مجرد الحديث عنها سعيًا لعلاجها. تتواجد قرحة المستقيم غالبًا  لدى الأشخاص المصابين بالإمساك المزمن، حيثُ يُمكن أن تسبب النزيف، صعوبة التبرز،  وجود مُخاط في البراز، الألم، الشعور بالحاجة للإخراج دون وجود براز، أو الشعور بالحاجة للإخراج بعد الذهاب لدورة المياه (أي أن الشعور بالحاجة للذهاب لدورة المياه لا يذهب)، على الصعيد الآخر، قد لا يُعاني بعض المصابين من أيّة أعراض. أما عن أسباب الإصابة بقرحةِ المُستقيم، فإنَّ حالة هبوط المُستقيم هي إحداها، وهي الحالة التي يبرز فيها المستقيم من الشرج، كما أنَّ تصلب البراز يُمكن أن يكون مُسببًا لهذه القُرحة.

السبانخ، هل هو غني جدًا بالحديد؟

باباي، السبانخ، ألمانيا  والولايات المتحدة، ما العلاقة بينهما؟ وما هي القصة خلف الاعتقاد الشائع بأنَّ السبانخ غنيٌ جدًا بالحديد؟

لا بد أنَّك قد شاهدت في طفولتك حلقة واحدة على الأقل من مسلسل الرسوم المتحركة المعروف باسم (باباي رجل البحار)، إذا كنت قد فعلت، فلا بد أنَّك شاهدته وهو يتناول السبانخ المعلّب، لتبرز عضلات يديه على الفور بعد ابتلاعه السبانخ، كدلالةٍ على مستوى الحديد المرتفع الموجود في أوراق السبانخ الخضراء، أو هذا ما كنّا نعتقده!

ظهرت شخصية باباي الكرتونية والتي ابتكرها الأمريكي إلزي سيغار لأول مرة عام 1929 في صحيفة King Features  اليومية، كان يُعتقد في تلك الآونة أنَّ السبانخ غنيٌّ جدًا بالحديد، وذلك استنادًا على ما جاء في ورقةٍ بحثية صدرت عام 1870، إذ تسبب خطأٌ غير مقصود بمضاعفة قيمة الحديد الموجودة في السّبانخ بمقدار عشرة مرات، وذلك بسبب خطأ في نقل موقع الفاصلة العشرية. لحسن الحظ؛ تم اكتشاف هذا الخطأ وتصحيحه عام 1937 من قبل علماء ألمان، أي بعد قرابة العقد من أول ظهورٍ لشخصة باباي مُحب السبانخ. تمَّ الكشف عن هذه القصة المذكورة سابقًا للمرة الأولى عام 1981 من قبل البروفيسور هامبلين الذي نشرها في الجريدة الطبية البريطانية، والتي يشار إليها بالأحرف الإنجليزية SPIDES اختصارًا لعبارة (Spinach Popeye Iron Decimal Error Story) والتي تعني قصة سبانخ باباي وخطأ الفاصلة العشرية، بحسب هذه القصة، فإنَّ الاستهلاك المحلي للسبانخ قد ارتفع بنسبة 33% في الولايات المتحدة، وذلك بفضل البروباغندا التي ساهمت شخصية باباي في نشرها. يزعم هامبلين أيضًا، أنَّ هذه الدعاية قد لعبت دورًا هامًا في دعم الاقتصاد الأمريكي في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية، والتي كانت ألمانيا أحد أبرز أقطابها، وهذا يفسر بدوره قيام علماء ألمان بالقضاء على أُسطورة السبانخ الغني بالحديد عام 1937 ليوجهوا بذلك ضربةً لاقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية، التي انضمت لاحقًا في العام 1941 للحلفاء في الحرب العالمية الثانية ضد ألمانيا.

إلا أنَّ هنالك رأيٌ آخر يدّعي زيف هذه القصة، الدكتور مايك ساتون، عضو الهيئة التدريسية في جامعة نوتنغهام ترنت – بريطانيا، نشر مقالاً بحثيًا لتتبع جذور هذه القصة المعروفة والمنتشرة على نطاقٍ واسع في المواقع الإلكترونية المختلفة، إذ بحث ساتون عن مراجعٍ لهذه القصة ولم يجد أي مصدر يؤكد مزاعم البروفيسور هامبلين، بالإضافة لإجرائه بحثًا عن الدراسة التي تولى القائمين عليها تصحيح هذا الخطأ، ولم يجد أي أثر أو سجلات. أما عن الارتفاع في معدلات استهلاك السبانخ بنسبة 33% في ثلاثينيات القرن الماضي، فيُعتقد أنَّه نتاج الصفقة التي قدمها الرئيس الأمريكي آنذاك، فرانكلين روزفلت، التي عرفت باسم (صفقة جديدة للمزارعين) والتي تضمنت بنودًا للحفاظ على التربة، من خلال تجنب الممارسات الزراعية التي من شأنها إلحاق الضرر بالتربة، مثل زراعة المحاصيل التي تتسبب باستهلاك عناصر التربة مثل القمح والأرز، مما دعا إلى توجه المزارعين نحو زراعة محاصيل غير مستهلكة لعناصر التربة، مثل السبانخ.

يقول ساتون أيضًا، بأنَّ سيغار –مبتكر شخصية باباي- قد وقع اختياره على السبانخ نظير محتواه المرتفع من فيتامين أ، وذلك وفقًا للكلام الذي ورد على لسان الشخصية في إحدى القصص المصورة عام 1932، إذ ظهر بوباي في الصورة وهو يبرر لزوجته –زيتونة- لماذا يأكل السبانخ بشراهة.

            زيتونة: هل تخال نفسك حصانًا؟                                                          بوباي: السبانخ مليء بفيتامين أ الذي يجعل البشر أقوياء وأصحّاء

لماذا فيتامين أ؟
اكتشف العلماء في عشرينيات القرن الماضي بعد إجرائهم دراساتٍ عدة، التأثير الهام لفيتامين أ على صحة الأطفال ونموّهم، هذه الدراسات، قد تكون السبب الذي جعل سيغار يختار السبانخ ليكون طعام باباي المفضل.

بغض النظر عن مدى صحة قصة سبانخ باباي وخطأ الفاصلة العشرية، ما يهمنا في هذا المقال هو السبانخ بحد ذاته، هل هو غنيٌ فعلاً بالحديد كما يُشاع؟

نعم، يحتوي السبانخ على نسبة مرتفعة من الحديد نباتي الأصل –وهو يختلف عن الحديد القادم من المصادر الحيوانية- إذ تحتوي كل 100 غرام من السبانخ على 2.6 ملغ من الحديد، وهو بذلك يتفوّق على بعض أنواع اللحوم في هذا الأمر. للأسف، فإنَّ أغلبية هذا الحديد الموجود فيه لا يتم امتصاصه من قِبل الجسد، في الواقع؛ وجدت دراسات حديثة أنَّ الجسم يمتص ما نسبته 2% على الأكثر من هذا الحديد، أي أنّ مقدار ما يمتصه الجسم من كل 100 غرام سبانخ لا يتجاوز الـ 0.044 ملغ حديد. يرجع ضعف الامتصاص هذا لعوامل عدّة، أبرزها هو كون هذا الحديد نباتي الأصل وليس حيواني، وهذا ما يجعل امتصاصه أقل فاعليةً من امتصاص نظيره الحيواني. السبب الآخر الأكثر شيوعًا هو احتواء السبانخ على نسبة عالية من حمض الأكساليك، والذي يؤثر بدوره على كفاءة امتصاص الحديد نباتي الأصل، إلا أنَّ بعض الدراسات الحديثة أظهرت أنَّ حمض الأكساليك بريءٌ مما يُتّهم به فيما يخصّ الحديد على الأقل، إذ وجدت هذه الدراسة أنَّ حمض الأكساليك يقلل من امتصاص الكالسيوم، الزنك والمغنيسيسوم. سببٌ آخر يُعتقد أنَّه المتسبب على الأرجح بالتأثير على كفاءة امتصاص الحديد، وهو احتواء السبانخ على المركبات الفينولية (البوليفينولات) التي تكوّن مع الحديد تراكيب معقدة عند تلاقيهما في تجويف المعدة والأمعاء، مما يقلل من كمية الحديد المتاحة للامتصاص.

لا زالت هناك أسبابٌ عديدة ووجيهة تدعوكم لتناول السبانخ، وليس الحديد إحداها، فالسبانخ يحتوي على نسبةٍ عالية من فيتامين أ، المعروف بفوائده الجمّة للبصر، لنظام المناعة بالإضافة لدوره الهام في عملية النمو وتكاثر الخلايا. بجانب فوائده العديدة للصحة الجسدية، فللسبانخ فوائد جمالية أيضًا، إذ يلعب فيتامين أ -الذي يحتويه السبانخ بكثرة- دورًا هامًا في انتاج المادة الدهنية الضرورية للحفاظ على رطوبة الشعر، كما أنَّه عنصر هام في بناء الأنسجة الجسدية، بما في ذلك الجلد والشعر، كما أنَّ فيتامين أ وخصوصًا مادة الريتينول والتي تعد نوعًا من أنواع فيتامين أ- يعدُّ مركبًا أساسيًا في مستحضرات العناية بالبشرة والمقاومة لعلامات الشيخوخة. يحتوي السبانخ أيضًا على فيتامين جيم (C) الذي يحافظ على نظارة البشرة ويمنحها مظهرًا شابًا، وذلك لدوره في بناء وصيانة الكولاجين، حيث أنَّ الكولاجين هو البروتين الأساسي في الأنسجة الضامة المكوّنة للعضلات والجلد.

كما ويلعب البوتاسيوم الذي يحتويه السبانخ دورًا هامًا في الحفاظ على صحة القلب، إذ أنَّ تناول كميات وفيرة من البوتاسيوم يقلل من مخاطر الإصابة بالسكتة الدماغية، كما أنَّه يقلل من احتمالية الموت بسبب إحدى الأمراض القلبية، وذلك لما يقوم به البوتاسيوم من توسيع للأوردة الدموية.

فيما يلي، قائمة بأهم المشاكل الصحية التي يساعد السبانخ في التقليل من آثارها الجانبية:

1- السرطان: يحتوي السبانخ على عوامل مقاومة للسرطان تدعى methylenedioxyflavonol glucuronides، كما أنَّه مصدر ممتاز لمضادات الأكسدة؛ مثل زيازانثين، نيوكسانثين وفايولاكسانثين، والتي تلعب دورًا في الوقاية من الإصابة بالسرطان، نظرًا لكونها مضادات التهاب. بشكلٍ عام، فإنَّ محتوى السبانخ المرتفع من الكلوروفيل والفلافونويد، يجعل منه عامل وقائي جيد جدًا لعدة أنواع من السرطانات؛ مثل سرطان الثدي، المبيض والبروستاتا.

2- الربو: تقل فرص الإصابة بالربو لدى الأشخاص الذين يستهلكون كميات كبيرة من مادة بيتا كاروتين والتي تتحول بدورها إلى فيتامين أ (الريتينول). يعد السبانخ مصدرًا ممتازًا لهذه المادة، بالإضافة لاحتوائه على المغنيسيوم، المُستخدم كعلاجٍ فعال لنوبات الربو الطارئة، إذ يتم تزويد الجسم به عن طريق الوريد، لكن العلماء لا زالوا غير متأكدين من فعالية المغنيسيوم لعلاج نوبات الربو إذا تم تزويد الجسم به عبر الفم أو باستخدام طريقة التبخير.

3- السكري: يحتوي السبانخ على واحد من أقوى مضادات الأكسدة، والذي يعرف باسم حمض ألفا ليبويك، والذي ثبت أنَّه يخفض مستويات السكر في الدم ويزيد من حساسية الإنسولين، كما أنَّه يقلل من أعراض الاعتلال العصبي المحيطي -ضعف أو تنميل في اليدين أو القدمين- والذي يصيب مرضى السكري عادةً.

زيكا.. ما يحملهُ البعوض!  

النشأة

عام 1947 وعن طريقِ شبكة مُراقبة الحُمى الصفراء، تمَ العثور على فيروس زيكا لدى القرود في أوغندا. نُقِلَ هذا الفيروس إلى البشر عن طريق البعوض، لتظهر أول حالة إصابة به لدى البشر عام 1952 في أوغندا وجمهورية تنزانيا المُتحدة. لاحقاً انتشر المرض ليصلَ الأمريكيتين، آسيا، أفريقيا ومنطقة المُحيط الهادئ. في تموز، عام 2015 أبلغت البرازيل عن وجود ارتباط بين الفيروس ومُتلازمة (غيلان – باريه)، ثم عادت لاحقاً في شهرِ تشرين أول لتعلن عن وجود ارتباط بين الفيروس وبين حالة (صُغر الرأس).

الأعراض

لا تزالُ فترة الحضانة للمرض الذي تُسببه الإصابة بالفيروس غير معلومة تحديداً، إلا أنَّها لا تتجاوز أياماً قليلة، والمقصود بفترة الحضانة هو الفترة الزمنية التي تبدأ من لحظةِ الإصابة بالفيروس وحتى بداية ظهور أعراض الإصابة به. تتشابهُ أعراض الإصابة بعدوى فيروس زيكا ببقيةِ أعراض الإصابة بعدوى ما يُعرف بالـ آربوفيروس (الفيروسات المنقولة بالمفصليات) إذ يُشير هذا المصطلح إلى مجموعة الفيروسات التي تنتقلُ عبر نواقل من مفصليات الأرجل. أما الأعراض، فتشمل : الحُمى، الطفح الجلدي، التهاب الملتحمة، آلام العضلات والمفاصل، التوعك والصداع. تستمرُ هذه الأعراض عادةً لمدةٍ تتراوح ما بين يومين إلى سبعة أيام، وتكونُ طفيفة.

العدوى

ينتقلُ الفيروس إلى البشر عبرَ التعرض للدغةِ بعوضة تحملُ المَرَض من نوعِ بعوض  Aedes aegypti في المناطقِ الاستوائية. يلدغُ هذا البعوض خلال النهار، ويبلغُ نشاطه الذروة خلال فترات الصباح الباكر والمساء. عدا عن نقلهِ فيروس زيكا، ينقلُ هذا البعوض الحمى الصفراء وحمى الضنك. ينتقلُ الفيروس جنسياً، ولا تزال دراسة احتمالية انتقاله عبر الدم قيدَ التَّحقق منها.

التَّشخيص

إنَّ افتراض الإصابة بعدوى فيروس زيكا يُبنى على الأعراض وعلى السّجل الحديثِ للسفر، حيثُ أنَّ السفر إلى منطقة تنشطُ فيها عدوى فيروس زيكا يرفعُ من احتمالية التقاط العدوى. لا يُمكن الجزم بالإصابة بالفيروس إلا بعد إجراء فحوصات مخبرية على الدم، البول أو السائل المنوي، وغيرهِ من سوائل الجسم.

العلاج

تكونُ الإصابة بعدوى فيروس زيكا طفيفة ولا تستدعي علاجاً مُحدداً، فعلى المُصابين بها تَلقي قسطاً وافراً من الراحة، شرب السوائل بقدرٍ كافٍ وتناول أدوية مُسكنة للتخفيفِ من وطأة الحمى والألم.

الوقاية

إنَّ جُل الوقاية يكمنُ في محاولة تجنب التّعرُض للدغاتِ البعوض قدر الإمكان، وذلك عبر ارتداء ملابس تُغطي الجسد، إغلاق النوافذ والأبواب، النوم أسفل شبكات الحماية من البعوض، واستخدام طارد للحشرات يحتوي على مادة الديت DEET (ثنائي إثيل ميتا تولواميد).

متلازمة نقص المناعة المكتسبة (الأيدز)

النشأة

يعتقدُ العلماء أنَّ فيروس الـ HIV المُسبب لمرضِ الإيدز أو متلازمة نقص المناعة المكتسبة قد انتقلَ من قردة الشمبانزي إلى الإنسان إثرَ ملامسة دمائها عندَ صيدها، فقد وجدَ العُلماء نوعاً من قردةِ الشمبانزي في غربِ أفريقيا يحملُ نسخةً حيوانية من فيروس الـHIV  وتُدعى SIV، فعند انتقال هذا الفيروس إلى جسمِ الإنسان يُسبب مرض الإيدز، أو متلازمة نقص المناعة المُكتسبة. رُصدت الإصابة الأولى بهذا المرض عام 1959، إذ عُثِرَ على الفيروس في عينة دمٍ أُخِذت لرجُلٍ من جمهورية الكونغو.

يُصيب فايرس نقصُ المناعة البشرية خلايا وأعضاء جهاز المناعة إذ يُضعف أنظمة الدفاع البشرية مُحولاً جسد المُصاب إلى حصنٍ مُستباح أمام مُختلف أنواع العدوى وبعض أنواع السرطان، فيصبح الجسد عاجزاً عن مكافحة أضعف أنواع البكتيريا والفيروسات. إلا أنَّ المرحلة المُتقدمة من الإصابةِ بعدوى فايرس الـHIV  تتمثلُ في مرحلة الإصابة بمتلازمة نقص المناعة المُكتسبة والتي قد تستغرق من عامين إلى خمسة عشر عاماً لتتطور وفقاً للعوامل المختلفة لدى كل شخص. أما هذه العوامل فتشمل : عمر الشخص، قدرة الجسد على الدفاعِ عن نفسهِ ضد الفيروس، مدى توافر الرعاية الصحية، وجود أمراض أو التهاباتٍ أُخرى إضافةً لعوامل الوراثة الجينيّة لديه.

الأعراض

تتدرجُ الأعراض وتختلف بتدرج واختلاف مراحل العدوى، إذ أنَّ الأعراض تتأخر بالظهور، حتى أنَّها قد تكاد تكون معدومة في الأسابيع الأولى بعد التقاط الفيروس، وإن ظهرت فإنَّها تظهر على شكل أعراض شبيهة بأعراضِ الإنفلونزا، والتي تشمل الصداع، الحمى، الطفح الجلدي والتهاب الحلق.

تزدادُ الأعراض حدةً بتقادم العدوى بالفيروس، الذي يعمل على إضعافِ جهاز المناعة تدريجياً، فمن الأعراض التي تبدأ بالظهورِ لاحقاً : تضخم الغدد الليمفاوية، فقدان الوزن، الحُمى، الإسهال والسعال. إنَّ الإهمال الصحي وعدم تلقي رعاية طبية من المُمكن أن يُفاقم الأمر لتتطور الأعراض إلى الاصابة ببعضِ الأمراض الخطيرة، مثل : السُّل، التهاب السحايا، الالتهابات البكتيرية الشديدة، وبعض أنواع السرطانات مثل سرطان الغدد اللمفاوية وسرطان كابوزي.  

العدوى

بشكلٍ عام ينتقلُ المرض عن طريق سوائل الجسم، مثل الدم، حليب الثدي، المني والإفرازات المهبلية. وبتفصيلٍ أكثر، يُمكن أن ينتقل المرض بإحدى هذه الطرق:

 

  • الانتقال الجنسي: وذلك عن طريق حدوث اتصالٍ جنسيّ غير آمن. 
  • انتقال المرض من الأُم إلى الطفل: قد ينتقلُ الفيروس من الأُم للطفلِ أثناء الولادة، الحمل والرضاعة الطبيعية.
  • نقلُ الدم: ينخفضُ خطر العدوى عن طريق نقل الدم في البلدان المُتقدمة نظراً للاحتياطاتِ والإجراءات المُتَّبعةِ فيها. إلا أنَّ خطر العدوى عن طريقِ الدم يكونُ مرتفعاً لدى مُتعاطي المخدرات عن طريق الحقن، في حالِ تشارُك الحُقَن الملوثةِ بالدماء المُصابة بالفيروس.

في المُقابل، لا ينتقلُ المَرض عن طريق المُصافحة، العِناق، ملامسة الجلد غير المخدوش، مشاركة المرافق الصحية مع المريض، مشاركة المناشف، مشاركة أدوات المائدة أو عن طريق إجراء التَّنفُس الاصطناعي للمريض.

التَّشخيص

لا يوجد اختبار واحد مُحدد يمكن إجراؤه للكشفِ عن الإصابة بمرضِ الأيدز، بل توجد عِدة اختبارات يُمكن أن تُجرى، مثل الاختبارات المَصلية – والتي يُقصد بها الكَشف عن وجود الأجسام المُضادة، عِوضاً عن الكشف عن وجود الفيروس ذاته – مثل: اختبار RDTs ، اختبار EIAs، اختبار الكَشف عن وجود الأجسام المُضادة لفيروس HIV،وغيرها. من الجديرِ بالذِكر أنَّ الأجسام المُضادة للفيروس لا تتشكل غالباً خِلال الثماني وعشرينَ يوماً الأولى مِن الإصابةِ به، لذا فقد تُظهر نتيجة الفحص عدم وجود إصابة، لذا تنبغي إعادة الفَحص لاحقاً للتأكُد.

كذلك يُمكن إجراء اختبارات للدم للكشفِ عَن وجودِ الفيروس، إلا أنَّهُ –الفيروس– قد لا يظهر في الدم خلال فترة تمتد ما بين ثلاثة أسابيع إلى ستة أشهر مِن الإصابة، لذا فإنَّهُ من الضروري إعادةُ الاختبار.

إضافةً لما سبق، يُمكن استخدام اختبار منزلي للكشفِ عن وجود إصابة.

يلعبُ الاكتشاف المُبكر دوراً هاماً في تحديدِ مدى فاعلية العِلاج، إذ أنَّ الاكتشاف المُبكر يرفعُ من فرص تجنب الأعراض المُصاحبة للمرض.

العِلاج

لا يوجد عِلاج يقضي على فيروس الـ HIV، إلا أنَّ العلاج المُستخدم للمرضى  حالياً والذي يُدعى ART  اختصاراً لمصطلح antiretroviral therapy أي العلاج المُضاد للفايروسات، يعمل على مكافحة التكاثر الفيروسي داخل جسد المُصاب، كما ويقوم بتقوية وتعزيز جهاز المناعة لاستعادة القُدرة على مواجهة العدوى. بفضل هذا العلاج الذي أُدخل إلى المنظومة العلاجية لمرضى الأيدز في منتصفِ التسعينات، أصبح بإمكان مرضى الأيدز عيش حياة طبيعية تقريباً ذات عدد سنوات كذاك الذي يعيشه الشخص السليم، في حال بدء العلاج في مراحل المرض المُبكرة قبل تفاقم الحالة المَرَضية للمُصاب.  إضافةً لما سبق، فإنَّ هذا العلاج يقلل من فرص عدوى الآخرين مِن قبل المُصاب نظراً لمكافحته للانتشارِ الفيروسي داخل جسد المُصاب.

 أقراصُ الطوارئ PEP

في حالِ اعتقاد الشخص أنَّهُ قد تعرض للعدوى بالفايرس، فبإمكانهِ وقف العدوى ومنعها من الحدوث عن طريق تناول ما يُدعى بـ أقراصِ الطوارئ خلال الثلاثة أيام الأولى بعد التَّعرض للعدوى.