Skip to content

سلسلة مناعة القطيع (2): ما هي آثار مناعة القطيع؟

 

ما هي مناعة القطيع؟ 

كما ذكرنا في المقال السابق (اضغط هنا لقراءة مقال ما هي مناعة القطيع؟)، فإن مناعة القطيع (أيضًا يطلق عليها التأثير القطيعي، المناعة المجتمعية، المناعة السكانية أو المناعة الاجتماعية) هي شكل من أشكال الحماية غير المباشرة من الأمراض المعدية، والتي تحدث عندما تصبح نسبة كبيرة من المجتمع محصّنة وتمتلك المناعة ضد العدوى؛ فتضطرب سلاسل العدوى، ويتوقف انتشار العدوى أو يبطأ، وبالتالي يتوفر قدر من الحماية للأفراد الذين لم يتم تحصينهم،  وكلما زادت نسبة الأفراد ذوي المناعة في المجتمع فإن احتمال احتكاك الأفراد عديمي المناعة مع الأفراد المصابين بالعدوى يقلّ أكثر.

يكتسب الأفراد المناعة من الأمراض المعدية إمّا عبر الإصابة بعدوى المرض واستجابة الجسم بتكوين أجسام مضادة بشكل طبيعيّ، أو من خلال طرق صناعية مثل اللقاحات. بعض الأفراد لا يستطيعون أن يصبحوا محصّنين نتيجة لأسباب طبية وتعتبر مناعة القطيع طريقة مهمة لحماية هذه المجموعة. 

مع زيادة نسبة الأفراد المحصّنين ضد مرضٍ ما بالمناعة الفرديّة إلى أن تصل إلى حدّ معيّن يُدعى (العتبة)، سوف تقضي مناعة القطيع تدريجيًا على ذلك المرض المعدي بين السكان، وإذا تحقّق هذا القضاء في جميع أنحاء العالم، فهذا قد يؤدي إلى انخفاض دائم في عدد الإصابات إلى الصفر، وهو ما يُسمى بالاستئصال. وقد استخدمت هذه الطريقة لاستئصال الجدري عام 1977م، وللقضاء الإقليمي على أمراض أخرى. 

مرة أخرى، مناعة القطيع لا تنطبق على جميع الأمراض، فقط تنطبق على تلك التي تكون معدية -التي يمكن أن تنتقل من فرد إلى آخر-؛ على سبيل المثال مرض الكزاز يعتبر إصابة لكنه غير معدٍ؛ لذلك لا تنطبق عليه مناعة القطيع.

تم استخدام مصطلح مناعة القطيع لأول مرة عام  1923، وتم اكتشافها كظاهرة تحدث طبيعيًا في الثلاثينيّات من القرن الماضي عندما لوحظ أنه بعد أن أصبح عدد كبير من الأطفال محصّنين (لديهم مناعة) ضد الحصبة، انخفض عدد الإصابات الجديدة بشكل مؤقت بما في ذلك الأطفال المعرضين لخطر الإصابة أو العدوى. منذ ذلك أصبح التطعيم الجماعي “الشامل” لتحفيز مناعة القطيع شائعًا وثبت نجاحه في منع انتشار العديد من الأمراض المعدية. 

شكلت المعارضة للتطعيم تحديًا لمناعة القطيع، مما سمح للأمراض التي يمكن الوقاية منها بالتطعيم بالاستمرار أو العودة إلى المجتمعات التي لديها معدلات تطعيم غير كافية.                                                                                       

بعد أن عرّفنا مناعة القطيع، ما هي آثارها على المجتمع؟


1- حماية الأفراد عديمي المناعة


يعتمد بعض الأفراد على مناعة القطيع إما لعدم قدرتهم على تطوير المناعة بسبب وجود أمراض في مناعتهم، أو بسبب عدم قدرتهم على أخذ اللقاحات لأسباب طبية؛ حيث يعتبر الأطفال حديثو الولادة أصغر من أن يتلقوا العديد من اللقاحات لأسباب تتعلق بالسلامة أو لأن المناعة السلبية تجعل اللقاح غير فعّال.

قد يفقد الأفراد الذين يعانون من  نقص المناعة (مثل فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) وسرطان الغدد الليمفاوية وسرطان الدم وسرطان نخاع العظم والطحال الضعيف والعلاج الكيماوي أو العلاج الإشعاعي) أي مناعة قد اكتسبوها مسبقًا، كما أن اللقاحات قد لا تُستخدَم  لهم، أو لا تفيدهم لنقص مناعتهم؛ فقد لا يولّد جهازهم المناعي الاستجابة المناعية للقاحات الكافية لمنحهم مناعة على المدى الطويل.

وأخيرًا، وجود موانع طبية -كما ذكرنا- قد يحول دون أخذ بعض الفئات من السكان للّقاحات، فيكونون بخطر أكبر لحدوث المضاعفات الناجمة عن الإصابة بسبب حالتهم الصحيّة، لذلك فهم يعتمدون بشكل عام على مناعة القطيع أكثر من الآخرين الذين باستطاعتهم ان يصبحوا بأمان عن طريق التطعيم. 

يمكن لمستويات عالية من المناعة في فئة عمرية محددة أن تخلق مناعة القطيع للفئات العمرية الأخرى، فتطعيم البالغين ضد السعال الديكي يقلل من حدوث السعال الديكي لدى الرُّضَّع؛ حيث أنهم المعرّضون لخطر حدوث مضاعفات أسوأ عند الإصابة. وهذا أمر مهم خاصة بالنسبة لأفراد الأسرة المقربين حيث يشكلون أكثر وسائل انتقال العدوى إلى الأطفال الصغار. وبنفس الطريقة، الأطفال الذين يتلقون اللقاحات ضد المكورات الرئوية يقللون من حدوث مرض المكورات الرئوية بين الأصغر سنًا والأشقّاء غير المحصنين. أمّا تطعيم الأطفال ضد المكورات الرئوية وفيروس روتا كان له تأثير في خفض حالات الإدخال إلى المستشفى لكل من  المكورات الرئوية وفيروس روتا للأطفال الأكبر سنًا والبالغين الذين لا يحصلون عادة على هذه اللقاحات.

تُعتَبَر الإنفلونزا أكثر شدة في كبار السن من الفئات العمرية الأصغر، لكن تفتقر لقاحات الإنفلونزا إلى الفعالية في هذه المجموعة السكانية نتيجة لتراجع جهاز المناعة مع التقدم في السن. حيث يتم إعطاء الأولوية للأطفال في سن المدرسة للتحصين ضد الإنفلونزا الموسمية والذي يعتبر أكثر فعالية من تطعيم كبار السن، وقد أثبت ذلك إنشاء درجة معينة من مناعة القطيع للمسنين.

2- الضغوط التطورية


تعمل مناعة القطيع نفسها بمثابة ضغط تطوري على بعض الفيروسات، حيث تشجّع الفيروسات على إنتاج سلالات جديدة عبر طفرات يُشار إليها بـ”طفرة الهروب” لأنها قادرة على الهروب من مناعة القطيع والانتشار بسهولة. 

على المستوى الجزيئي تهرب الفيروسات من مناعة القطيع من خلال الانسياق المستضدي (antigenic drift) والذي يحدث عندما تتراكم الطفرات في الجزء من الجينوم الفيروسي الذي يشفر المستضدات السطحية للفيروس -والذي عادة ما يكون بروتين في غلاف الفيروس البروتينيّ (capsid)-، مما ينتج عنه تغيير في الحاتمة الفيروسية (epitope). بإمكان الفيروسات أيضًا أن تنتج أنماطًا مصلية جديدة عن طريق إعادة ترتيب قطع الجينوم الفيروسي المنفصلة، أو الزيحان المستضديّ (antigenic shift) -وهو الأكثر شيوعًا عندما يكون هناك المزيد من السلالات في الدورة الدموية-. عند حدوث أي من هذه التغيرات فإن الخلايا الذاكرة التائية (Memory T Cells) لا تستطيع تمييز الفيروس، لذلك تتوقف مناعة القطيع للسلالة المسيطرة المنتشرة. 

ولأن هذا التطور يشكّل  تحديًا لمناعة القطيع؛ تتم دراسة وتطوير ما يُعرَف بالأجسام المضادة المستعدلة أو الأضداد المستعدلة (broadly neutralizing antibodies)، واللقاحات العالمية التي يمكن أن توفر حماية أبعد تتجاوز النمط المصلي المخصص.

3- استئصال الأمراض

إذا تم ترسيخ وتأسيس مناعة القطيع والحفاظ عليها في عدد من السكان لفترة زمنية كافية فسوف يتم القضاء على المرض حتمًا؛ مما يعني أنه لن يحدث نقل للأمراض المستوطنة بعد ذلك. إذا تم تحقيق هذا القضاء في جميع أنحاء العالم وتم خفض عدد الحالات بشكل دائم إلى الصفر عندئذ يمكن الإعلان بأنه تم القضاء على هذا المرض.
بناءً على ذلك، يمكن اعتبار الاستئصال نتيجة نهائية لمبادرات الصحة العامة للسيطرة على انتشار الأمراض المعدية. وتشمل فوائد الاستئصال إنهاء جميع الحالات المرضية والوفيات الناجمة عن هذا المرض، وتوفير الموارد المالية للأفراد ومقدمي الرعاية الصحية والحكومات، وإتاحة  الموراد المستخدمة للسيطرة على المرض لاستخدامها في أي مكان آخر.

حتى الآن ساهمت مناعة القطيع واللقاحات باستئصال مرضين بشكل تامّ وهما الطاعون البقري ومرض الجدري، تدور جهود الاستئصال التي تعتمد على مناعة القطيع حاليًا لاستئصال شلل الأطفال على الرغم من أن الاضطرابات المدنية وعدم الثقة في الطب الحديث جعلت ذلك صعبًا. قد يكون التحصين أو التلقيح التطوعي عقبة أمام الاستئصال والقضاء على المرض إذا لم يمتلك عدد كافٍ من الناس مناعة أو حصانة ضده.

بقرة مصابة بالطاعون البقري في حالة “حرارة الحليب” وقعت عام 1982م، حيث وقعت الحالة الأخيرة المؤكدة من مرض طاعون البقر في كينيا عام 2001م وقد أُعلن رسميًا القضاء على المرض عام 2011م

تدقيق علمي
atom
تدقيق لغوي
تصميم