Skip to content

سلسلة اضطراب ما بعد الصدمة (4) : العلاقة بين اضطراب تُّوتر ما بعد الصّدمة والصّحة النّفسيّة للاجئين

 

خِلال السّنواتِ الأخيرة، ازداد عدد اللاجئين بِشكلٍ كبيرٍ في جميعِ أنحاءِ العالم. فبحلولِ النّصفِ الأولِ من عام 2017، ارتفع عدد اللاجئين في جميع أنحاء العالم إلى أكثر من 18.5 مليون، أكثر من نصفهم من سوريا وجنوب السودان وأفغانستان. ووفقاً للمُفوضيّة السّاميّة للأُمم المُتحدّة لشؤون اللاجئين، يوجد حالياً أكثر من 55.22 مليون لاجئ حول العالم. ويعتبرُ هذا أكبر عدد من اللاجئين وأسوأ أزمة إنسانيّة منذ الحرب العالميّة الثّانية. والأسبابُ الرّئيسية في إثارة هذه الأزمة العالميّة و الهِجرة الجماعيّة هي الحروب والصّراعات  والاضطهاد وانتهاك حُقوق الإنسان والأزمات السّياسيّة والاقتصاديّة.

و هؤلاءِ اللاجئين هم من الرّجالِ والّنساءِ والأطفالِ ومن مستوياتِ دخلٍ وفئاتٍ معيشيّةٍ مُختلفة. وغالبًا ما يتركون وراءهم بُيوتهم و مُجتمعاتهم ومصدرَ رِزقهم ومُعظم مُمتلكاتِهم. على الرّغم من أن عددًا كبيرًا من الأفراد يستطيعون التأقلم، إلّا أنّ الكثير مِنهم يُواجهونَ مُعاناة نفسيّة كبيرةً نتيجةَ تعرُّضهم للأحداث المؤلمة والصُّعوبات المُرتبطة بحياتهم كلاجئين. فبالإضافة إلى الضغوط التي يتعرّضون لها قبل لُجوئهم والتي تُهدد حياتهم في كثير من الأحيان، فإنّهم بعد مُغادرةِ أوطانهم، يضطرون غالبًا إلى مواجهة العُزلة والعُنصريّة والعُنف في مواقعهم الجديدة. ويواجه الأفراد في مّخيّمات اللاجئين ظُروفّا معيشيّةً صعبة تكثُر فيها فرصة انتشار الأمراض المُعدية، إلى جانِب الضُّغوطات المُزمنة التي يجب عليهم التّعامُل معها بما فيها العُيوب الاجتماعية والاقتصاديّة وضعف الصّحة البدنيّة وانهيار الدّعم الاجتماعي. 

في ظل هذه التّحديات، تُوجدُ أدلة واضحة على تزايد انتشار الاضطرابات النّفسيّة لدى اللاجئين، بما في ذلك الاكتئاب، واضطراب توتُّر ما بعد الصّدمة (PTSD)، والقَلق، وعدم الانتباه، وصُعوبات النّوم، والكوابيس. يُعاني الأطفال والمراهقون اللاجئون -والذين يُشكّلون أكثرَ من نصف اللاجئين في العالم- من انتشار الاضطرابات النفسيّة بمُعدّل أعلى من أقرانهم من غير اللاجئين. ومن الجدير بالذّكر أن الحالة النّفسيّة النّاجمة من الحرب ضارّة للأطفال والكبار اللاجئين بغض النظر عن خلفياتهم العرقيّة أو الثقافيّة.

كما أن حقيقة كون الإنسان لاجئّا ليست المعيار الأكثر أهمية لخطر الإصابة بالاضطرابات النفسيّة. ومع ذلك، يمكن أن يتعرّض اللاجئون لعوامل ضغط مُختلفة و التي يمكن أن تُؤثر على صحّتهم النّفسيّة. تُصنّف هذه العوامل عمومًا على أنّها عوامل ما قبل الهجرة (كالاضطهاد والصُّعوبات الاقتصاديّة)، وعوامل الهجرة (كالخطر الجسدي، والانفصال وطلاق الزّوجين)، وعوامل ما بعد الهجرة (كالاعتقال والعِداء والرّيبة).

بالتّزامُن مع التّطوُّر، و ازدياد أعداد اللاجئين على مدى العُقود الماضية، تنامى الاعتراف بمشاكل الصحة النّفسيّة المُرتبطة باللاجئين. ولكن لا تزال قُدرتنا على تقييم احتياجات الصّحة النّفسيّة للأفراد الذين يعيشون كلاجئين محدودة، وكذلك معرفتنا بالتّدخلات النّفسيّة الفعّالة للاجئين.

أسباب اضطرابات الصحة النفسيّة لدى اللاجئين:

يمكن أن يُعزى ضعف الصّحة النّفسيّة لدى اللاجئين و خاصّة الأطفال والمراهقين منهم للأسباب التّالية: 

  • تجارُب الحرب، والضُّغوط التي يمرّون بها خلال مرحلة انتقالهم، وضُغوط ما بعد الهجرة، وصُعوبات التّأقلم في الظُّروف الجديدة.
  • تشير الدلائل إلى أنَّ للصّحة النّفسيّة للآباء اللاجئين دورٌ مهمٌ أيضًا في الصّحة النّفسيّة لأطفالهم. حيثُ يؤثّر الاكتئاب أو القلق السريري على سُلوكيّات الآباء، والتي بدورها تزيد من خطر حُدوث مشاكل داخلية وخارجية عند الأطفال، وذلك من خلال مُمارسة سلوكيّات الحماية المُفرطة، أو نقل تصوُّرات سلبيّة للغاية عن العالم، أو من خلال نمذجة سُلوكيّات القلق لأطفالهم. ومن ناحية أخرى، فإنّ تماسُك الوالدين أو الأسرة يمكن أن يحدّ من مشاكل الصّحة النَّفسيّة للأطفال.
  • بالإضافة إلى ذلك، قد تكون الضُّغوطات التي عانى منها الآباء سابقّا قد تسبّبت في تغييرات جينيّة أدّت في وقت لاحق إلى التّعرض لمشاكل الصّحة النّفسية لدى الأطفال. تُشير بعض الأدلة إلى أن اضطراب توتر ما بعد الصّدمة عند الاّباء يمكن أن يُؤثر بإضافة مجموعة ميثيل (methylation) على جين مُستقبل القِشْرانِيٌّ السُّكَّرِيّ (glucocorticoid receptor gene) لدى النّسل، والتي من المُمكن أن تُساهم في ظُهور مشاكل الصّحة النّفسيّة لدى الأجيال القادمة.
  • قد تتفاعل المشاكل النّاجمة عن العوامل الماليّة أو القانونيّة أو التكيّف بثقافة البلد المُضيف أو القلق بشأن الأسرة أو التميّيز مع أعراض اضطراب توتّر ما بعد الصّدمة، والذي قد يُساهم بشكلٍ مُباشرٍ في ضَعف الصّحة النّفسيّة لدى الأطفال اللاجئين.
  • علاوةً على ذلك، يُمكن أن يرتبط اضطراب توتُّر ما بعد الصّدمة بعوامل أخرى تُؤثر سلبًا على الأطفال، بما في ذلك تعاطي المُخدّرات، وصُعوبات التّوظيف، والصّراع بين أفراد الأُسرة.

مؤشرات قد تعكس خطورة الحالة:

  • العُمر

يمكن أن يكون استيعابُ الصّدمة مختلفًا تمامًا عبر مراحل النمو:

  • منذ الولادة حتى عُمر الخمس سنوات: يُواجه الأطفال الصّغار صعوبة في تفسير الصّدمة التي يُعانون منها، ولكنهم يُعبّرون عن صدمتهم من خلال التّمسك بأمهاتهم، والارتعاش. قد يُظهرون أيضًا صدماتهم من خلال اللعب والسُّلوكيات غير الُمناسبة لأعمارهم مثل مصّ الإبهام، وقضمِ الأظافر، والتّبوُّل اللاإرادي، وتعابير الوجه الخائفة، والخوف من النّوم بمفردهم أو من الظّلام، وقلّة الّتفاعلِ الاجتماعي. وحسب الدّراسات فإن الاّباء قد لا يُدركون احتمالية وجود الصّدمة، لِاعتقادهم الخاطئ أنَّ “الطّفل لم يُشاهد ما حدث” أو أنّه “لم يكُن يعرف الكثير”. 
  • من عُمر الستِ سنوات إلى إحدى عشرةَ سنة: قد يُصبح الأطفال في هذا العُمر قلقين، مُكتئبين، غاضبين، غير قادرين على التّركيز أو الاختلاط مع أقرانهم، وقد يرفضون الذّهاب إلى المدرسة. يُمكن أن يُعاني البعض الآخر من صُعوبات في النّوم، وكوابيس، وخوف من الظّلام، وأمراض جسديّة مثل القيء والصُّداع وآلام المعدة. هذه الفئة العُمريّة مُعرّضّة لمُعاناة اضطراب توتُّر ما بعد الصّدمة أكثر بثلاث مرات من المُراهقين، لأنّهم في مرحلة أصغر من التطور.
  • المُراهقون: قد يتأثر المُراهقون لفترة طويلة. يمكن أن يشعروا كما لو أنّهم مُعلّقون في الماضي، مع عدم وجود أمل للمستقبل. تظهر صدمتهم النّفسيّة في الصّعوبات المدرسيّة، واضطرابات الأكل، وإدمان الكحول، وحمل المراهقات، ووجود أفكار حول الانتحار، أو التّصرُّف بدافعيّة وعُصبانيّة. وأكثرهم عُرضةً للخطر هم أولئك الذين فقدوا الرّوابط العائليّة والمُجتمعيّة.
  • الكبار: يميلُ البالغون المُصابون بالصّدمة إلى فرط اليقظة وشلل العواطف واسترجاع تجارُب الماضي. قد يندهشون بسهولة، ويظهرون استجابة الكر أو الفر أو الشُّعور المُتزايد بالوعي و الإدراك، وأيضًا يُعانون من الكوابيس والانفصال العاطفي عن النّفس وعن الآخرين. قد يتعاطون المخدرات أو الكحول، ويُصبحون مُكتئبين وعِدائيّين وقد تراودهم أفكار بالانتحار.
  • الجنس

تميلُ الفتيات إلى استيعاب وقبول الصّدمة، ويصيبهنَّ قلقٌ واكتئابٌ. وفي الجانب الاّخر، يميلُ الفتيانُ إلى تجسيد الصّدمة، ويميلون أكثر إلى سُلوكيّات عدم الانتباه والاندفاع وفرط الحركة أو الانخراط في أنشطةٍ عنيفة. ومع ذلك، فإن النتائج غير حاسمة فيما يتعلق بالاختلافات بين الجنسين.

  • الثقافات المختلفة

تُشيرُ الّنتائجَ إلى تشابُه التّجربة الإنسانية من ناحية الألم والمُعاناة العاطفيّة والجسديّة عبر الثّقافات المُختلفة. ولكن قد تختلفُ طُرقِ التّعبيرِ عن الصّدمة. مع ذلك، نحتاجُ إلى توخّي الحذر بشأن الصُّور النّمطيّة؛ فالمُعاناة عالميّة.

تحدّيات توفير الرّعاية الصّحيّة النّفسيّة للاجئين:

هُناك العديد من التّحديّات عند تقديم الرّعاية الصحيّة النّفسيّة للاجئين، ويختلف مدى هذه التّحديات بناءً على عِدّة عوامل، بما في ذلك من أين جاء اللاجئون ومِقدار الوقت الذي قَضوه في البلد المُضيف.

  • العوائِق اللُّغوية: يُواجه العديد من اللاجئين فهمًا ضعيفًا للُغة البلد المُضيف، مما يتطلّبُ وجود مُترجمٍ خلال المُحادثات. حتى وإن كانت التّرجمة مُتوفّرة، فقد يؤدي الافتقار إلى التّواصُل المُباشر إلى تعقيد التّقييم المناسب والصّحيح.
  • الأنظمة العقائديّة: قد تُعيق الأنظمة العقائديّة المُختلفة تقييمات الصحة النفسيّة وتتعارض مع فهم المُمارسين من أصحاب المهنة، على سبيل المثال، احتمال قابليّة البحث عن تفسيراتٍ جسديّة للمُشكلاتِ النفسيّة.
  •  التّوقعات الثقافيّة: قد يكون لدى اللاجئين وجهاتُ نظرٍ مُختلفة حول توقُّعاتهم من الرعاية الصحيّة النفسيّة، وحول نوع المعلومات التي يُريدون الكشف عنها. قد يؤثر هذا على إمكانيّة تقبُّلهم للتّشخيص وما يترّتب على ذلك من علاج.
  •  قلّة الشُّعور بالثقة: قد لا يثقُ اللاجئون بشكلٍ خاصٍّ في الخدماتِ والسُّلطات بسبب خبراتهم السابقة في بلدهم الأصلي. علاوة على ذلك، قد يكونون غير متاّلفين بِنظام الرعاية الصحيّة في البلد المُضيف، ولا سيما مع طريقة عمل الرعاية الصحيّة النفسيّة.

المُمارسة الجيدة في توفير الرّعاية الصّحيّة النّفسيّة للاجئين:

إنّ الاستراتيجيّةَ الأكثرُ أهميّةٍ للحدّ من مخاطرِ الاضطرابات النفسيّة لدى اللاجئين بمجرّدِ وصولهم إلى البلد المُضيف هي:

  • الدّعم العام.
  • تلبيةُ احتياجاتهم الأساسية وضمانُ سلامتهم. 
  • قُبولهم ودَمجِهم في المُجتمع.
  • اندماجهم في أنظمة التعليم الوطني، وهذا مُهمٌّ بشكلٍ خاص للأطفال والمُراهقين منهم.
  • وجود الأسرة المُمتدة. 
  • وجود مُنظّمات حُقوق الإنسان. 
  •  توفُّر جماعات المُساعدة الذاتيّة والمُخيّمات الصغيرة وفُرص للانخراط في المُمارسات الثقافيّة التقليديّة. 
  • هذا وقد أظهرت دراسة للاجئينَ من يوغوسلافيا، أُجريت بعد تسعِ سنواتٍ من انتهاءِ حربِ البَلقان، أهميّة الدعم الذي يُقدّمُه البلد المُضيف.

توصيات لممارسة رعاية صحيّة جيّدة للاجئين: 

  • تأسيسُ برامجَ توعيةٍ كبيرةٍ للفئاتِ التي يصعبُ الوصولُ إليها من اللاجئين: قد يتم توفير هذه البرامج من قبل المُنظمات التطوعيّة المُتخصصّة. يجبُ أن تهدف التوعية إلى بناءِ علاقة ثقة، ومُساعدة اللاجئين في التغلُّبِ على الحواجزِ في الوصولِ إلى الخدماتِ الرئيسيّة في مجالِ الرعاية الصحيّة الجسديّة والنفسيّة.
  • وضعُ نهج عام ومُتعدّد المجالات: حيث يتم توفير الرعاية الصحيّة الجسديّة والنفسيّة بأقل قدر ممكن من التجزئة وتسهيلها بالإجراءات الإداريّة المرنة. هذا مُهم بشكلٍ خاصٍّ للاجئينَ الذين لديهم احتياجاتٌ صحيّةٌ عديدة. 
  • التحسين من تنسيقِ الخدمات: يجبُ أن يشتمل هذا التّنسيق على خدماتٍ مُتخصّصة وعامة. 
  • توفيرُ معلوماتٍ كافيةٍ عن المُستحقّاتِ والخدماتِ المُتاحة لكُلّ من مجموعات اللاجئين والأخصائيين الذين يتعاملون معهم:  قد تُساعدُ التقنياتُ الجديدةُ في هذا وتساعدُ أيضًا في توفيرِ خدماتِ الترجمةِ الفوريّة.

كيف يُمكن تطبيق المُمارسة الجيّدة والصّحيحة لِرعاية الصّحة النّفسيّة للاجئين؟

   يتطلّبُ تنفيذُ التوصياتِ السابقة توفير التّمويل والتّنظيم المُناسبيَن للخدمة، وتدريب المُوظّفين المقدّمين لها، بالإضافة إلى تعزيز تكيّف اللاجئين الإيجابي عبر مساعدتهم في الحصول على الموارد الداخلية والبيئية وحمايتها.

لا بدّ أيضًا من تقدير صمود اللاجئين -حيثُ أنّ غالبيتهم لا يعانون من اضطرابات التوتر-، فبالرغم من أنّ الأطباء يجهلون السبب الذي يؤدي لإصابة بعض الأشخاص بهذا الاضطراب في حين لا يصاب به آخرون، لكنهم يعرفون مصطلحًا مهمًا لوصف تلك الغالبية من الأشخاص الذين عانوا من اضطرابات نفسية عابرة غير دائمة بعد مواجهة تجارب شديدة الإرهاق، وهو مصطلح المرونة النفسيّة. 

  • ماذا تعني المرونة النفسية؟

يعرّف الأطباء النفسيّون المرونة النفسيّة على أنّها عملية التكيّف مع مواجهة الشدائد، الأزمات، المآسي، الأخطار أو مصادر التوتر الشديدة. تلعب المرونة النفسيّة دورًا مهمًا بتجاوزك الظروف الصعبة، بالإضافة إلى تمكينك لتحسين نوعية حياتك عبر وسائل الدعم المختلفة التي ذكرناها خلال هذه المقال.

وقد وُجد أن اللاجئين يتمتعون بقدرة ملحوظة على المرونة النفسية لكل من صعوبات الصحة النفسية، وهم كمجموعة يميلون لمقاومة الاضطرابات النفسية والتكيف معها؛ يعود ذلك ربما لتكيفهم مع العديد من المواقف العصيبة بمرور الوقت.

وهنا لا بد أن نؤكد مرة أخرى على أهمية تعزيز قدرة اللاجئين على التكيف والصمود من خلال مُساعدتهم على الاحتفاظ بالموارد التي يمتلكونها، وإعادة اكتسابهم للموارد المفقودة بعد وصولهم إلى البلد المُضيف، وذلك عبر تعاون وكالات توطين اللاجئين ومقدّمي الرعاية الصحيّة لهم.

و تذكّروا أنَّ الله في عون العبد ما كان العبدُ في عون أخيه 💗

كتابة
noun_write_1686569-01
تدقيق علمي
atom
تدقيق لغوي
edit
تصميم
ترجمة
Error: Profile not defined!