Skip to content

سلسلة كورونا الجديد (11): هل تمت صناعة فيروس كورونا في المختبر؟

 

منذ بداية ظهور وانتشار فيروس كورونا الجديد SARS-COV-2 ظهرت وانتشرت الكثير من التساؤلات والأقاويل حول أصل ونشأة هذا الفيروس، كما انتشرت الكثير من نظريات المؤامرة التي تزعم أنَّ هذا الفيروس هو من صناعة البشر، وأنَّه قد طوّر وهُجّن في مختبرات بعض الدول لتمرير أجندات سياسية واقتصادية معيّنة؛ فما هو أصل هذا الفيروس؟ وهل تمّت صناعته في المختبر حقًا؟
قبل أن نبدأ بالإجابة عن الأسئلة السابقة يجدر بنا أن نعرّف هذا الفيروس الذي أصبح نجمًا عالميًا بارزًا، أشغل به الصحافة والمحطات الإخباريّة ومواقع التواصل الاجتماعيّ!

ما هو فيروس كورونا الجديد؟

فيروس كورونا الجديد SARS-COV-2 هو الفيروس السابع من عائلة فيروسات كورونا (الفيروسات التاجيّة) التي تصيب البشر، أنسباء هذا الفيروس من ذات العائلة الذين يتسببون بأعراض حادّة هم SARS-COV و MERS-COV، أما أولئك الذين لا يسببون أعراضًا حادّة هم HKU1 و NL63 و OC43 و229E. خلاصة القول هنا هو أنَّ عائلة فيروسات كورونا التي تصيب البشر ليست بجديدة وليس بغريبٍ تسببها بأعراض تنفسيّة حادّة أو غير حادّة للبشر.

هل تمّت صناعة هذا الفيروس في المختبر؟

في مقالٍ نُشر بمجلة Nature للتعريف بأصل هذا الفيروس، كانت الإجابة هي لا بشكلٍ قاطع استنادًا لتحليل مخرجات البحث. والأدلة على ذلك هي:

1- ينجذب فيروس كورونا الجديد للارتباط بالمستقبل الذي يُدعى ACE2، بسبب وجود طفرة في البروتين المسؤول عن إدخال الفيروس في الخليّة عبر الارتباط بالمستقبلات الموجودة على سطحها.

صورة تمثل ارتباط فيروس كورونا الجديد بمستقبل ACE2 الموجود على سطح الخلية

أظهرت نتائج تحليل جينوم هذا الفيروس وجود انجذاب قوي لديه للارتباط بالمُستقبل ACE2، والموجود على سطح الخليّة البشريّة، إلا أنَّ التحليل الحاسوبيّ يتوقع عدم وجود ميل لدى هذا الفيروس للارتباط بهذا المستقبل! كما ويُظهر تسلسلاً مختلفًا لنطاق الارتباط بالمُستقبل RBD عن ذاك الموجود فعليًا في جينوم الفيروس. لذلك؛ فإنَّ وجود ميل قوي لدى هذا الفيروس للارتباط بالمستقبل ACE2 -خلافًا لما تتنبأ به البرمجة الحاسوبيّة- تبين أنَّ الطفرة في البروتين المسؤول عن الارتباط بالمُستقبل هي طفرة طبيعيّة ناتجة غالبًا عن الانتقاء الطبيعيّ وليست طفرة مقصودة، ببساطة لأنَّ لا أحد سوف يُغامر و”يصنع” طفرة يتنبأ الحاسوب بتسببها في جعل الفيروس ضعيفًا في الارتباط بمستقبلات الخليّة البشريّة!

2- إذا كان فيروس كورونا الجديد مطوّرًا عن إحدى فيروسات العائلة التاجيّة، فلن يكون نظامه الجينيّ مخلوقًا من العدم، بل سوف يتم استخدام إحدى الأنظمة الجينيّة المتاحة لأحد الفيروسات التاجيّة من النوع بيتا Beta، إلا أنَّ دراسة جينوم الفيروس الجديد قد أظهرت بشكلٍ لا يُدحض بأنَّ البيانات الجينيّة لفيروس كورونا الجديد غير مشتقة من أي جينوم لفيروس سابق.

 ما هو أصل فيروس كورونا الجديد؟

تٌقدّم الورقة البحثيّة ذاتها نظريتين تقدمان تفسيرًا معقولاً لنشأة فيروس كورونا الجديد، الأولى هي حدوث الانتقاء الطبيعيّ في جسد العائل الحيوانيّ قبل حدوث الانتقال من الحيوان إلى البشر، والثانية هي حدوث الانتقاء الطبيعيّ في الجسد البشريّ بعد انتقال الفيروس من العائل الحيوانيّ، وفيما يلي تفصيل لكل واحدة منهما:

1- النظرية الأولى: تمّ ربط حالات ظهور فيروس كورونا الجديد الأولى بسوق المأكولات الحيوانيّة في ووهان، حيث تمّ الاشتباه بوجود عائل حيوانيّ كان هو مصدر نقل العدوى إلى البشر. أمّا عن سبب ظهور هذا الاشتباه؛ فيرجع إلى وجود تشابه بنسبة 96% بين فيروس كورونا الجديد وسلالة فيروسات كورونا التي تُصيب الخفافيش. إلا أنَّ دراسة الفيروس الذي يُصيب إحدى سلالات الخفافيش والتي كان مشتبهًا بكونها الناقل لهذا الفيروس، قد بينت ضعف قدرة هذا الفيروس على الارتباط بالمستقبل ACE2 الذي ذكرناه سابقًا، وذلك بسبب وجود اختلافات في نطاق الارتباط بالمُستقبل RBD.

أما المشتبه به الثاني فهو آكل النمل الحرشفيّ، الذي يُصاب بفيروس من عائلة فيروسات كورونا يُشبه فيروس كورونا الجديد الذي يصيب البشر. على الرغم من التشابه الكبير بين جينوم فيروس كورونا الجديد وجينوم الفيروس الذي يُصيب الخفافيش، إلا أنَّ تشابهًا أكبر يظهر بين نطاق الارتباط بالمُستقبل RBD لدى فيروس كورونا الجديد ولدى الفيروس الذي يُصيب آكل النمل الحرشفيّ.

على العموم لا يوجد دليل قاطع حتى الآن يثبت ما هو الفيروس الحيوانيّ الذي تطوّر عنه فيروس كورونا الجديد، فعلى الرغم من وجود تشابهٍ كبير بينه وبين بعض فيروسات كورونا التي تُصيب بعض الحيوانات في خصائص معيّنة، إلا أنَّ وجود بعض الفروقات في خصائص أُخرى يجعل الجزم بهذا الخصوص أمرًا صعبًا.

2- النظرية الثانية: من الممكن أن تكون الطفرة التي أدّت لتطوّر فيروس كورونا الجديد قد حدثت في جسم الإنسان بعد انتقال الفيروس الأصليّ له من مصدر خارجيّ، مما أدّى لتغيير السمات الجينوميّة للفيروس وهو في جسم الإنسان.

حتى وقت كتابة المقال الأصليّ والمنشور في مجلة Nature كانت جميع فيروسات كورونا الجديدة تمتلك ذات السمات الجينوميّة، وهذا يعني أنَّها قد تطوّرت عن سلفٍ مشترك كان يمتلك هذه السمات أيضًا. أغلب هذه السمات الجينوميّة موجودة لدى فيروس كورونا الذي يُصيب آكل النمل الحرشفيّ، وهذا يطرح احتمال بأنَّ بعض التغيّرات التي حصلت في الفيروس قد حدثت لاحقًا بعد انتقاله إلى البشر.

لماذا نهتم بمعرفة أصل الفيروس؟

التساؤل عن أصل الفيروس هو أمرٌ هام جدًا لعدّة أسباب منها؛ محاولة تجنّب ما حدث هذه المرة في المرات القادمة، فالفهم الجيد والمتعمق لكيفية انتقال فيروس من جسد عائل حيوانيّ إلى البشر من شأنه منع تكرار حدوث ذلك مستقبلاً. 

الخلاصة

تظهر الأدلة العلميّة ونتائج الدراسات البحثيّة أنَّ فيروس  كورونا الجديد لم يُصنع في المختبر ولم يُعدل جينيًا في المختبر بشكلٍ متعمد، وتصفه بالأمر غير المنطقيّ. إضافةً لذلك؛ لا توجد نظرية واحدة يمكن تأكيدها بشكلٍ قاطع عن أصل الفيروس في الوقت الحاليّ، فالأبحاث عن هذا الأمر لا تزال تُجرى على قدمٍ وساق حول العالم، وقد تظهر لدى العلماء معلومات جديدة تقلب الموازين جميعها وتغلّب واحدة من الفرضيات المقترحة لمعرفة أصل الفيروس على بقيّة الفرضيات! 

تدقيق علمي
atom
تدقيق لغوي
edit
تصميم