Skip to content

تجارة العمليات القيصرية

 

تجارة العمليات القيصرية

تاريخُها:

يعودُ اسم العمليّةِ القيصريةِ إلى القيصرِ يوليوس الذي قالت الأسطورةُ الرومانيّةُ فيهِ أنّه قد وُلِدَ بعمليةٍ قيصريةٍ، لكنّ الأمرَ المُناقضَ للأسطورةِ أنّ العملياتِ القيصريةَ في ذلك الوقتِ كانت تُجرى على النساءِ اللواتي توفين أثناءَ إنجابهِن؛ أملًا في إنقاذِ الطفلِ، وأُمُّه “أروليا” عاشَت مدةً طويلةً حتّى أنها كانت المستشارةَ الأولى لابنها القيصر أثناءَ فترةِ حُكمهِ. لم تُطبّقْ هذهِ العمليةُ على النساءِ الأحياءِ لأنها غالبًا كانت ستنتهي بانتقالِ عدوىً أو بنزيفٍ شديدٍ يودي بها للموتِ.

الأسباب الّتي تستوجب إجراءها:

لا شك أنّ العمليةَ القيصريةَ حافظتْ على حياةِ العديدِ من النساءِ وخفضتْ من نِسَبِ الوفياتِ أثناءَ الولادةِ، لكنها كانت لا تُجرى إلا في حالاتٍ ضروريةٍ، كأن يكون الطفلُ في وضعٍ جانبيٍّ ، أو أن السائلَ المحيطَ ملوثٌ، أو أن يكونَ حجمُ رأسِهِ غير مناسبٍ للخروجِ من حوضِ أمِهِ، أو في حالاتٍ طارئةٍ كأن تنقُصَ المشيمةُ في الرحمِ، أو التفاف الحبلِ السريِّ حولَ عُنُقِ الطفلِ.

وهنالك مؤشراتٌ نسبيةٌ يحدد فيها الطبيبُ ما إذ كانت العمليةُ ضرورةً؛ كحالةِ التوجهِ المقعديِّ، وإنجابُ التوائِمِ، ومعدلاتُ نبضٍ غيرَ طبيعيةٍ للطفلِ، وفشلُ التقدمِ بالمخاض. أمّا الآن، فالعمليةُ القيصريةُ أصبحتْ شبه اختياريةً، وبإمكان المرأة أن تطلبَ إجراءها دون أيِّ سببٍ طبيٍّ يُذْكَر.

في إحدى العياداتِ الخاصةِ في ريو دي جينارو يُولَدُ 1000 طفلٍ في الشهرِ الواحدِ، 85٪‏ منهم عن طريقِ العمليةِ القيصريةِ، هذه هي الحالُ في البرازيلِ التي تُعتبرُ الدولةَ الأكثرَ إجراءً للعمليةِ القيصريةِ. أما البلدانُ الأخرى، فالمعدلُ في تزايدٍ مستمرٍ خاصةً في الدولِ الصناعيةِ، حيثُ أن الصين شهدتْ نموًا بارزًا في معدلِ العملياتِ شبيهًا بالنموِّ الاقتصاديِّ الذي شهدته البلادُ، فقفزتْ خلالَ العشرين سنةٍ الماضية من ٦٪‏ إلى ٥٠٪‏؛ بالطبع هذه الزيادةُ الكبيرةُ سببها تفضيلُ المرأةِ والطبيبِ للجراحةِ على الولادةِ الطبيعيةِ.

الإيجابيات:

هناك عددٌ من الأسبابِ التي تدفعُ المرأةَ نحو اختيارِ الجراحةِ، منها تجنُّبُ المخاضِ والألمِ والإجهادِ المصاحبَ للولادةِ الطبيعيةِ، والحفاظُ على أجسامهن، وعدم رغبتهن في إنجابِ المزيدِ من الأطفالِ، ولعلّ أحدَ الدوافعِ المحمّسة لهن اختيارُ يومِ الولادةِ، فيختارُ الأهلُ في الصينِ تاريخًا يحوي الرقمَ ٨ لأنه يجلبُ الحظَّ ويبتعدونَ عن الرقمِ ٤، بينما يختارُ الأهلُ في البرازيل يومًا مناسبًا يدعون فيه كل الأقارب والأصدقاء إلى المستشفى للترحيبِ بالفردِ الجديدِ. أما الأسبابُ التي تدفعُ الطبيبَ لتشجيعِ المرأةِ على العمليةِ فهي ماديّةٌ، حيثُ يتقاضى الطبيبُ أجرًا أكبرَ جراءَ العمليةِ القيصريةِ، بالإضافةِ إلى أنها تأخذُ ٢٠ دقيقةً من وقتهِ، على عكسِ الولادةِ العاديةِ التي تحتاجُ طاقمًا كاملًا وساعاتٍ وساعاتٍ من الانتظارِ.

مخاطرُها:

مع النمو المتزايدِ لِلُّجوءِ إلى الجراحةِ؛ لا بدَّ من التوعيةِ بمخاطرِها على صحةِ الأمِّ والطفلِ أيضًا، فالأمُ معرّضةٌ لاحتماليةِ النزيفِ، والفتقِ الجراحيِّ، واكتئابٍ؛ جراء عدم ولادتها لابنها بشكلٍ طبيعي، وتؤثرُ العمليةُ أيضًا على الحملِ اللاحقِ فقد تتشكلُ التصاقاتٌ مكانَ الندبةِ وقد تتشكلُ مشيمةٌ ملتصقةٌ، فإذا كانت الأمٌّ تنجبُ طفلها الأول عن طريقِ العمليةِ الجراحيةِ فعليها الأخذُ بعينِ الاعتبارِ أن أطفالها اللاحقينَ غالبًا ستنجبهم بنفسِ الطريقةِ.

أما عندَ مقارنةِ الطفلِ المولودِ بالطريقة القيصريةِ بالطفلِ المولودِ بشكلٍ طبيعيّ، فإن الطفلَ الثاني يلتقطُ بكتيريا انشقاقيةً عند مرورهِ من عنقِ الرحمِ، ويتعلّمُ الطفلُ منذ أولى لحظاتهِ البكتيريا الحميدةَ وتزدادُ مناعتُهُ، حيث أن الطفلَ الأول سيكون أكثرَ عرضةً للحساسيةِ والربوِ وأمراضِ المناعةِ والأمراضِ التنفسيةِ كوجودِ سائلٍ في الرئةِ.

وفي دراسةٍ أجرتها الباحثةُ كاترينا فارنكا، وجدتْ أن الطفلَ الذي يُولَدُ لأبوين يعاني أحدهما من مرضِ السكري بالعمليةِ القيصريةِ يزدادُ خطرُ إصابتهِ بالنّوع ١ من السكريّ  بنسبةِ ٥٠٪‏ مقارنةً بطفلٍ وُلدَ ولادةً طبيعيةً.

ومن المساوئ الطبيّةِ لهذا التزايدِ، قلةِ الخبرةِ الطبيّةِ للأطباءِ الجددِ في مجالِ الولادةِ الطبيعيةِ، حيثُ يعتادُ طلبةُ الطبِّ في هذهِ الدّولِ على إجراءِ العملياتِ القيصريةِ، فيباشرون بإجراءها فورَ انتهاء التدريبِ.

أحدثُ ما اكتُشف:

اتبعَ البروفيسور أولف جانج هنرك طريقةً جديدةً تخففُ من الواقعِ النفسيِّ للعمليةِ على المرأةِ وتزيدُ من مشاركتِها فيها وأسماها العمليةَ القيصريةَ الطبيعيةَ، ويبدأُ فيها كأيّ عمليةٍ قيصريةٍ أخرى بشقِّ الرحمِ، إلا أنّه حال ما يخرجُ رأسَ الطفلِ حتى تبدأُ المرأةُ بالدفعِ كي تساعدهُ على إخراجهِ، ويضعُ الطبيبُ الطفلَ عند أمّهِ لتراه وتحملهُ فورَ خروجهِ.

لا نستطيعُ إنكارَ فضلِ العمليةِ القيصريةِ وإنقاذِها لأرواحِ الكثيرِ، لكن يجبُ على المرأةِ أن تكون أوعىً بمخاطرِها وألا تلجأ لها إلا عندَ الضرورةِ، ويجبُ على الطبيبِ أن يحيي ضميرَهُ وألا يشجعَ من لا تحتاجُ فعلًا لهذه العمليةِ على إجرائها.

تدقيق علمي
atom
تدقيق لغوي
تصميم