Skip to content

تاريخ البحث عن المادة الوراثية

 

بعدَ أنّ رسمَ العلماءُ الخطوطَ الأولى في علمِ الوراثةِ باكتشافهم أنَّ الجيناتِ تشكّلُ أجزاءً من الكروموسوماتِ، اتجهتِ المعتقداتُ نحو كونِ البروتينات والحمضِ النوويِّ الرايبوزيِّ منقوصِ الأكسجينِ “DNA” المادتينِ الكيميائيتينِ المسؤولتينِ عنِ الوراثةِ. حتى عامِ 1940، كان أغلبُ الظنِّ أن البروتيناتِ هي مَن تنقلُ المعلوماتِ الوراثيةِ من جيلٍ لآخر لعدّةِ أسبابٍ، لعلَّ أهمَّها قلةُ معرفتِنا في ذلك الوقتِ عنِ الأحماضِ النوويةِ.

الدليلُ على أنَّ البكتيريا تتوارثُ من خلالِ ال DNA

في عامِ 1928، قامَ الطبيبُ فريدريك غريفث بدراسةٍ على نوعٍ من البكتيريا الذي يسببُ الالتهابَ الرئويّ أملًا بأن يجدَ لقاحًا للمرضِ، أخذَ غريفث عيّنتينِ منَ البكتيريا إحداهما مسببةً للمرضِ والأخرى ليست مسببةً ، ثم عرّضَ البكتيريا الممرِضة لدرجةِ حرارةٍ عاليةٍ تكفي لكسرِ البروتين، بعد ذلك، أضافها للمجموعةِ الأخرى السليمةِ غير الممرضة. ومعَ مرورِ الوقتِ لاحظَ أن البكتيريا غيرِ الممرِضةِ أصبحتْ كذلك ممرضة، عبر عمليةٍ أطلقَ غريفث عليها اسمَ التحوّلِ الوراثيِّ ( (Transformation، انتقلت فيها مادةٌ كيميائيةٌ من البكتيريا الممرضةِ إلى غيرِ الممرِضةِ. الدراساتُ الأخرى التي قامَ بها علماءُ آخرونَ كأوسوالد أفيري وماكلين مكارتي وكولن ماكليود بيّنتْ أن هذه المادةِ الكيميائيةِ التي انتقلتْ هي ال DNA. إلّا أنَّ العلماءِ كانوا مترددينَ، وكانوا لا يزالونَ يرَونَ أنَّ المادةَ الوراثيةَ هي البروتيناتِ. بالإضافةِ إلى أنَّ العديدَ منَ البيولوجيينَ لم يقتنعوا بالفكرةِ التي تتطرقُ إلى أنَّ الجيناتِ البكتيريةَ لها نفسُ التركيبِ والوظيفةِ التي تملكها جيناتُ كائناتٍ أكثرُ تعقيدًا. كلُّ هذه الشكوكِ كان سببُها قلةَ المعرفةِ التي امتلكناها عن DNA.

أدلّةٌ إضافيةٌ تثبتُ أنَّ ال  DNA هو المادةُ الوراثيةُ

في عامِ 1950،عندما درسَ البيوكيميائيُّ إيروين تشارجاف الDNA في مختبرهِ، كان تركيبُ ال DNA معروفًا: قاعدةٌ نيتروجينيةٌ، سكرٌ خماسيٌّ يسمّى الرايبوز منقوصُ الأكسجينِ، ومجموعةُ فوسفورٍ. والقاعدةُ النيتروجينيةُ من الممكنِ أن تكونَ الأدينين A، الثايمين T، الجوانين G، السايتوسين C. قامَ تشارجف بتتبعِ نسبِ هذه القواعدِ النّيتروجينيةِ واختلافِها من كائنٍ لآخر، كما لاحظَ التشابهَ في نسبِ هذه القواعدِ في الكائنِ الواحدِ، مثلًا في إحدى الكائناتِ، كانت نسبُ القواعدِ النيتروجينيةِ: A = 32.8% و T = 32.1%و G = 17.7%و  C = 17.3%، وفي تلك الفترةِ لم تكنْ هذهِ النسبُ دقيقةً لمحدوديةِ التقنيّاتِ، إلّا أنّ التقنيّاتِ الحديثةِ أثبتتْها.

التصوّرُ الثلاثيُّ الأبعادِ الخاص بال DNA 

بعدَ أنِ اقتنعَ البيولوجيونَ بدورِ ال DNA كمادةٍ وراثيّةٍ، كان التحدّي هو إيجادُ الشكلِ الثلاثيِّ الأبعادِ الخاصّ بال DNA. من العلماءِ الذين اهتمّوا بهذا المجالِ: لينوس بولينج في معهدِ كاليفورنيا للتكنولوجيا، وموريس ويلكنس وروزالند فرانكلن في جامعةِ كنغز في لندن، العالمان الأمريكيّ جايمس واتسون والإنجليزيّ فرانسيز كريك هما من أوجدا الإجابةَ الصحيحةَ لذلك. التعاونُ الجميلُ الذي حلَّ لغزَ ال DNA بدأَ عندما زارَ واتسون جامعةَ كامبردج التي كان فيها كريك يدرسُ شكلَ البروتيناتِ عن طريقِ تقنيةٍ تسمى دراسةُ البلوراتِ بالأشعةِ السينيةِ أو X-ray crystallography. في مختبرِ موريس ويلكنس، شاهدَ واتسون صورةً بالأشعةِ السينيةِ للDNA كانت قد قامت بها روزالند فرانكلن، وتوصّلَ لكون ال DNA جزيئًا لولبيًّا. وبدراسةِ المعلوماتِ التي خرجتْ بها فرانكلين من وجودِ السكرِ ومجموعاتِ الفسفورِ على الجزءِ الخارجيِّ منَ ال DNA ووجودِ القواعدِ النيتروجينيةِ في الجزءِ الداخليِّ منه، بالإضافةِ للمعلوماتِ التي توصلتْ إليها عن عرضِ الجزيءِ والمسافةِ التي تفصلُ بين القواعدِ، استنتجا أن الDNA يتكونُ من سلستينِ متعاكستينِ ترتبطُ كلُّ قاعدةٍ نيتروجينيةٍ في السلسلةِ الواحدةِ بالقاعدةِ النيتروجينيّةِ الأخرى في السلسلةِ المقابلةِ من خلالِ رابطةٍ هيدروجينيّةٍ، بحيث تكون إحداهما ثنائيةَ الحلقاتِ (كالجوانين G والأدينين A) والأخرى أحاديّةّ الحلقةِ (كالثايمين T والسايتوسين C)، وهذا بالطبعِ فسّر تساوي نسبِ T مع A و G مع C في تجربةِ تشارجاف.

في نيسان 1953، فاجأَ واتسون وكريك العالمَ بورقةٍ بحثيّةٍ تبيّنُ التركيبَ الجزيئيَّ للـDNA: سلسلتانِ لولبيّتانِ Double Helix، الذي أصبحَ الرمزَ المشهورَ للبيولوجيا الجزيئيةِ. حازَ واتسون وكريك وموريس ولكنس على جائزةِ نوبل في عامِ 1962 عن هذا العملِ، لكن روزالند فرانكلن –للأسف- كانتْ قد توفيت عام 1958 بعد إصابتِها بسرطانِ المبيضِ ولم تتلقَ الجائزةَ.

تدقيق علمي
atom
تدقيق لغوي
edit
تصميم