Skip to content

سلسلة علم الأعصاب (1): الصرع

 

لا شَكّ أنّك شاهدَت أو سَمِعت عن شخصٍ مُصابٍ بالصَرَعِ، ذِلكَ المَرضُ الذي يهابُه الجميع، فلطالما ارتبطَ ذَكرُهُ لدى القدماءِ بالسحرِ والأرواحِ الشريرةِ. فما هو الصّرع؟ وهل هو مرَضٌ نفسيٌّ؟ وما هي أنواعه ومُسبّباته؟ وهل تُوجَد عوامل مُحفّزة لنوبات الصّرع؟ وهل يستطيع المريض أن يتعايش مع الصّرع؟

ما هو الصرع؟

الصّرع مرضٌ عصبي غير مُعدٍ، وهو عبارة عن حالة مُزمِنة من النوباتِ المُتكرّرة الّتي تتراوح بين أعراض قصيرة المدى بالكاد يُمكن أن تُكشَف كحركات عَلك الشّفتين أو تلعثُم في الكلام إلى حركات متتابعة عشوائيّة واهتزازات تَشنُجيّةٍ عنيفة تستمر بضع دقائق نتيجة لاضطرابات في النّشاط الكهربائي للدّماغ. تَنتُجُ هذهِ الاضطراباتُ الكهربائيّةُ في الدماغِ نتيجة بؤرَةٍ في القِشرَةِ الدِّماغيّةِ تَقوُم بإنتاجِ سيالاتٍ عصبيّةٍ أكثَرَ مِن اللازِمِ، وذلِك نتيجَةَ حُودثِ خَلَلٍ في الاتزانِ بين النواقِل العصبيّة، فيفقِدُ الدِماغُ كوابِحَهُ التّي تمنعُ انتشارَ السيالاتِ العصبيّةِ بشكلٍ عشوائيٍّ. نستنتج من ذلك بأنّ التّشنج أحد أعراض بعض أنواع الصّرع، فليس كل تشنّج مؤشّر للإصابة بالصّرع. إنّ جميع الفئات العمريّة عُرضة للإصابة بالصّرع، لكنّه أكثر شيوعًا عند الأطفال وكبار السّن بعد سن ال65، وتُقدّر نسبة سكّان العالم المُصابين بالصّرع بِ1% من إجمالي عدد السكان.

ما هي أنواع الصرع؟

تُقسَم التّشنجات الصّرعية إلى نوعين رئيسيين: التّشنُّجات الجزئية المُتَمَوضِعة الّتي تؤثّر على نصف واحد من الدّماغ والتّشنجات العامّة الّتي تؤثّر على نصفي الدّماغ، ويُمكن أن تتطوّر التّشنجات الجزئيّة إلى تشنجات عامّة. وتَختَلِفُ أعراضُ الصّرَعِ باختلافِ الجُزء الذي المشمولِ مِن الدِماغِ، فقد تكونُ النوبَةُ مُجردَ انقباضاتٍ حركيّةٍ، إلّا أنها قَد تؤدي إلى أعراضٍ غريبةٍ في حالِ كانت في أماكِن أُخرى كالفُص الصدغي، حيث مِن المُمكِن أن تُنتِجَ هلاوِس وتغيُّرٍ في حالَةِ الوعيِ، بل وقد تؤدي إلى حالةٍ مِن الإبداعِ (فيقومِ المريض بإلقاء شِعرٍ بليغٍ أو يرسُمُ شيئًا جميلًا)!
وليست جميع حالات الصّرع وراثيّة، فمُعظم مُسبِّبات الصّرع غير معروفة أو بيئيّة كإصابات الرّأس أو ورم في الدّماغ أو أدوية معينة أو مرض آخر. ومن الصّعب الجزم بوجود مُسبِّب مُعيّن في كثير من حالات الصّرع، فهناك العديد من العوامل الّتي تترافق معًا، كما أنّ معظم التّشنجات النّاجمة عن تعرُّض الدّماغ للإصابة والتّعرُّض لصدمة، تبدأ بالظّهور بعد عدّة شهور أو سنوات. هناك العديد من المُحفِّزات الّتي تستثير نَوبة الصّرع، فمن الضّروري أن يعرفها المريض حتّى يكون قادرًا على إدارة المرض بشكل أفضل وتجنُّب المُضاعفات، ومنها عدم انتظام النّوم أو عدم الحصول على القدر الكافي منه أو استخدام مُنتجات أو أدوية مُعينة أو استهلاك الكحول أو انخفاض مستويات بعض المعادن في الجسم أو وجود اضطرابات هرمونيّة.

ما هُو تأثيرُ الصَرَعِ على الإدراكِ؟ وهل هو مَرضٌ نفسيٌّ؟

أمّا بالنّسبة للإدراك، ففي بعض الحالات يكون المريض مُدرِكًا لكل ما يحدث أثناء النّوبة وفي حالات أخرى لا يكون مُدرِكًا لما يحدُث، وقد يشعر المريض باقتراب نوبته في كثير من الأحيان، أي عندما تُسبَق التَّشنُّجات بالأورة (aura) مُرفَقةُ بأحاسيسَ مثل الخوف متبوعة بعلامات حركيّة. يتراوح مستوى ذكاء مريض الصّرع من المُتدنّي إلى العالي كأي إنسان طبيعي، فالصّرع مُجرّد حالة طبيّة يُمكن التّعايش معها، وكل ما يحتاجه المريض هو الوعي المُجتمعي والدّعم والعناية الطبيّة الجيّدة، فالصّرع ليس شيطاني أو مُتعلِّقًا بالسّحر والشّعوذة أو حتّى وصمة عار كما كان يُشاع قديمًا، كما أنّه ليس تخلّفًا عقليًا أو مرضًا نفسيًّا، وقد زاد مُؤخّرًا الوعي العالمي بالصّرع، فنجد الكثير من المُنظّمات الحديثة الّتي تُحارِب الصّرع لا المريض بالصّرع.