Skip to content

ما هي مناعة القطيع؟

 

لطالما سمعنا مصطلح مناعة القطيع herd immunity في علم المناعة عند حديثنا عن المطاعيم، لكنّنا مؤخرًا بدأنا بسماع مصطلع مناعة القطيع لأغراضٍ أخرى، فبعض الدول قد أعلنت لمواطنيها أنها ستعتمد على مناعة القطيع في مواجهة جائحة كورونا عبر السماح للعدوى بالتفشّي في المجتمع، فما هي مناعة القطيع؟

يُستخدم مصطلح مناعة القطيع لوصف المناعة التي تتشكّل لدى المجتمعات البشريّة ضد عدوى معيّنة بحيث يعمل وجود الأفراد المُحصّنين ضدّ العدوى على تشكيل نهايات مسدودة أمام انتشار المرض، مما يساعد في حماية باقي أفراد المجتمع. بكلماتٍ أُخرى فمناعة القطيع (أو مناعة المجتمع) هي الحالة التي تكون فيها نسبة كبيرة من السكان قادرة على صدّ مرضٍ مُعدٍ، مما يحدّ من مدى انتشار ذلك المرض من شخصٍ لآخر. تتشكّل مناعة القطيع من خلال المناعة التي تنشأ عند أفراد المجتمع إما بتعرّضهم السابق للمرض أو عبر تلقّيهم المطاعيم.

مناعة القطيع تاريخيًا

تم استخدام مصطلح مناعة القطيع لأول مرة في عام 1923 لوصف ظاهرة تحدثُ بشكلٍ طبيعيّ، وعندما لوحظ انخفاض أعداد الإصابات الجديدة بمرض الحصبة في ثلاثينيات القرن الماضي بعد تطعيم نسبة كبيرة من الأطفال باللقاح الخاصّ بهذا المرض. 

على الرغم من ظهور المصطلح في العشرينيات إلا أنَّ استخدامه على نطاقٍ واسع بدأ في العقود الأخيرة، وذلك لتزايد النقاش حول فوائد برامج المطاعيم بالنسبة لتكاليفها، ومباحثات استئصال الأمراض والقضاء عليها.

 

هل تشترط مناعة القطيع وجود مناعة عند جميع أفراد المجتمع؟

ليس بالضرورة، فمثلًا إذا تمّ إعطاء المطاعيم لغالبية أفراد المجتمع، فإنّ ذلك لا يمنعهم فقط من الإصابة بالمرض، فتلعب المطاعيم دورًا نبيلًا آخر في منع نقلهم العدوى إلى أشخاص آخرين لم يأخذوا المطاعيم، وقد تكون إصابتهم بالمرض المعدي شديدة الخطورة على حياتهم أو وظيفتهم، وبذلك فهم يحتمون بغيرهم ممّن أخذوا المطعوم. كما ويمكن أن تكتسب المجتمعات مناعة القطيع عندما تكون الكثافة السكانيّة للأشخاص المعرّضين للإصابة بالعدوى منخفضة بما فيه الكفاية لتقليل احتمالية اتصال الفرد المصاب بالفرد المُعرّض. 

 

يبيّن الشكل في الأعلى الدور الذي تلعبه مناعة القطيع في تحجيم تأثير مسببات الأمراض على الأفراد. في الصورة رقم (1) تظهر مُسببات الأمراض (الدوائر البرتقاليّة) وهي تنتشر بين أفراد المجتمع وتسبّب لديهم أعراض قد تكون طفيفة، إلى أن تصل إلى الأفراد الأكثر عرضةً لخطر الإصابة بأمراض شديدة (الدوائر الحمراء) وقد تؤدي لوفاتهم.

في الصورة رقم (2) يظهر الأفراد الذين تمّ تطعيمهم كدوائر خضراء، يشكّل هؤلاء طريقًا مسدودًا لانتشار مسببات الأمراض، ممّا يقلل فرصة وصولها إلى الأفراد الأكثر عرضةً للخطر. على الرغم من أن عدد الأفراد المطعّمين في الشكل قليل، إلا أن عددهم على أرض الواقع لا بدّ أن يكون كبيرًا حتى تجدي طريقة مناعة القطيع نفعًا في صدّ العدوى.

ما هي نسبة الأفراد الواجب تحصينهم في المجتمع حتى تتشكّل مناعة القطيع؟

تختلف النسبة المئوية لكل مرضٍ معدٍ باختلاف عدّة عوامل، من بينها نوع المرض؛ فعلى سبيل المثال تتطلب الأمراض المعدية جدًا مثل الحصبة، نسبةً أعلى من الأفراد المُحصنين لبلوغ مناعة القطيع، خلافًا للأمراض التي تنتشر بشكلٍ أقل مثل السلّ. أما العوامل الأُخرى التي تلعب دورًا في تحديد نسبة الأفراد الواجب تحصينهم فتتوزّع بين وجود القابليّة (الاستعداديّة) للإصابة بالمرض، والتركيبة السكانيّة، والعادات الاجتماعية.

هل ستجدي الخطة البريطانية نفعًا في مواجهة جائحة كورونا؟


أثارت تصريحات رئيس الوزراء البريطانيّ حول استراتيجيّة حكومة المملكة المتحدة لمواجهة جائحة الكورونا جدلاً عالميًا واسعًا مؤخرًا، إذ أنَّ هذه الاستراتيجيّة -وخلافًا للاستراتيجيات المتّبعة في أغلب دول العالم من حظرٍ للتجوّل وإغلاقٍ للمنشآت- تقضي بضرورة تكوين مناعة مجتمعيّة (مناعة القطيع) ضد فيروس كورونا الجديد (SARS-COV-2)، ونظرًا لأنَّ تكوين هذه المناعة يتمُّ بإحدى طريقيتين، الأولى هي إصابة جزء كبير من السكان بالعدوى لتكوين مناعة طبيعيّة في أجسادهم ضدّه، والثانية هي تطعيم نسبة كبيرة جدًا من السكان بلقاحٍ مضاد لهذا المرض، والخيار الثاني غير متاح حاليًا نظرًا لعدم وجود لقاح حتى اللحظة! وهذا يشير إلى نيّة الحكومة بانتهاج الطريقة الأولى، مما سيتسبب بخسائر فادحة في الأرواح. تبرر الحكومة قرارها هذا بعدم جدوى الإجراءات التي تتبعها بعض دول العالم من حجرٍ منزليّ أو حظرٍ للتجوال، إذ اختارت أن تقضي على الفيروس بشكلٍ ممنهج عبر اتّباع خطوات تدريجيّة بدلاً من شلّ حركة البلاد بالكامل للتخلّص منه. وفي مسعاها هذا تعوّل البلاد على مناعة القطيع، التي ستتشكل بين أفرادها بعد السماح للمرض بالانتشار بينهم، معللةً ذلك بأنَّ المرض يتسبب لأغلب من يُصابون به بأعراض طفيفة فقط.

لحسن الحظ تراجعت الحكومة البريطانيّة عن استراتيجيتها هذه، لعدّة أسباب نتطرق إليها في المقال القادم.

تدقيق علمي
atom
تدقيق لغوي
edit
تصميم
ترجمة
Error: Profile not defined!