Skip to content

سلسلة العمارة التقليدية (1): حسن فتحي، مهندس الفقراء

 

“منزل أبي الذي فيه كلّ خطوة لها معنى.”

عبارةٌ تحمل كلماتها فِكرًا معماريًّا عظيمًا والكثير من الإنسانيّة، كان يردّدها حسن فتحي على أسماع من عاصروه. حسن فتحي، هو مهندس معماريٌّ ومُفكّر وفيلسوف عربيّ، عُرف بمهندس الفقراء، فقد استشعر وعاش صدمة البؤس والفقر الذي يُواجه أبناء وطنه ومعاناة الفقراء في كلّ مكان، فأعاد إحياء طُرق البناء التقليديّة والعمارة البيئيّة التي تعمل على توفير بناء وإسكان جماليٍّ وإنسانيّ من الموادّ المحليّة في المنطقة ذاتها. وُلد حسن فتحي عام ١٩٠٠ في الإسكندريّة بمصر، وتنعّم بطفولته كأغلب الفتيان من العائلات الثريّة، مُكملًا تعليمه بعد دراسته الثانويّة ليحصل على درجة الهندسة من جامعة فؤاد الأوّل (جامعة القاهرة حاليًّا). عمل في عدّة مجالات بعدها على مدى حياته، لكن كان أوّل أعماله المعماريّة تصميم مدرسة ابتدائيّة في ريف مصر.

ومن هنا بدأ إلهامه واهتمامه بالعمارة الريفيّة، فأُعطي بعدها عملًا لتصميم دار للمسنّين في محافظة المنيا بمصر، إلا أنَّ شرط هذا العمل كان تصميم مبنىً على الطراز الغربيّ الكلاسيكيّ، فرفض حسن فتحي ذلك وترك العمل، ليُكمل مسيرته في اتّباع إنسانيّته وبصيرته. فبينما كان المعماريّون يتطلّعون إلى المدن الأوروبيّة مثل لندن وباريس لنقل الأنماط الغربيّة الحديثة للبناء، كان حسن فتحي يزور قرى وطنه مُنفتحًا عليها ليتعلّم منها، ويعيد إحياء واستعمال تقاليد البناء القديمة منذ بدء الحضارات، فلكلّ منطقة موادّ بناء وأسلوب يتواءم مع بيئتها ومناخها والموادّ المتوافرة فيها، ليبقى بذلك البناء حافظًا لروح المجتمع وهويّة أهله. 

 

كُلِّف فتحي لاحقًا بتصميم مشروع لقرية القرنة، ولبناء هذه القرية قصّة شهيرة وضعها في كتابه “القرنة قصة قريتين” والذي سُمّي لاحقًا “عمارة الفقراء”. كان حسن فتحي يحرص على أن يبني مُجتمعًا، لا أن يشيِّد مبانٍ فقط، إذ بدأ مشروع تلك القرية ببناء ٧٠ منزل، لكلّ منزلٍ منها سمةٌ مميِّزةٌ له عن غيره، واعتمد في بناء ذلك على الموادّ المحليّة من المنطقة ذاتها، ورسّخ فيها أثر العمارة الإسلاميّة وثقافة سكّان المنطقة، مُراعيًا في الوقت ذاته تغيّرات المناخ وحاجاتهم الحياتيّة. كما شيّدت فيها ٣ مدارس، أحدها كانت لتعليم الحِرَف اليدويّة التي كانت تشتهر بها منطقة القرنة. ولم يغفل عن الجانب الدينيّ والترفيهيّ إضافة إلى الجانب التعليميّ، فكانت قريةً متكاملةً تحمل بين أبنيتها هويّة سكّانها.

كما أنَّ له الكثير من الأعمال الأخرى، فقد نفض الغبار عن الإرث المعماريّ والحضاريّ الذي تراكم عبر العصور في بلادنا، وأعاد صقل تلك الأحجار الكريمة التي عرف قيمتها قبل صقلها والغبار يملؤها. إذ له أعمالٌ بنيت في فلسطين، والعراق، والجزائر، واليونان، وباكستان، ونيجيريا، والولايات المتحدة وغيرها، كما أصدر مؤلّفات عديدة تُرجمت للُغاتٍ كثيرة، بالإضافة لحصوله على الكثير من الجوائز، منها جائزة آغا خان للعمارة، والميدالية الذهبية من الاتحاد الدولي للمعماريّين في باريس، وجائزة لويس سوليفان للعمارة، وهو أوّل فائز بجائزة نوبل البديلة (جائزة رايت ليفيلهوود).

“هناك 800 مليون نسمة من فقراء العالم الثالث محكوم عليهم بالموت المبكر بسبب سوء السكن، هؤلاء هم زبائني”

هذا ما قاله حسن فتحي، فلم يكُن يأخذ أجرًا مُقابل تصميماته، لترسيخ رسالته بأنَّ البناء الكريم والعمارة الجميلة المناسبة لظروف الحياة هي مُستحقٌّ للجميع وليست حِكرًا على من يمتلك مالًا أو نفوذًا أكثر. بات حسن فتحي أيقونةً في عالم العمارة ومرجِعًا فكريًّا لطلّاب العلم من كلّ مكان، فتحوّل بيته في أواخر عمره إلى حلقة علمٍ يستقبل فيها أيّ راغبٍ في التعلّم ومناقشة العمارة والفنّ والفلسفة والثقافة بشتّى مجالاتها، فيُحادثهم ويناقشهم ويُفيدهم من علمه.

توفّي حسن فتحي عام ١٩٨٩ في القاهرة في مصر، تاركًا لنا فِكرًا وحُلمًا بتوفير مسكنٍ جميلٍ وملائمٍ لكلّ إنسان، دون أن يحول الفقر أو غيره عن تحقيق ذلك.

كتابة
noun_write_1686569-01
تدقيق علمي
atom
تدقيق لغوي
تصميم