Skip to content

سلسلة الطب الدقيق (4): الأمراض الوراثيّة

 

ماذا نعني بقولنا أنّ المرض وراثيّ؟

يعني ذلك أنّ هناك أساسًا جينيًّا للمرض، فيمكن لهذا المرض أن ينتقل من الآباء إلى الأبناء (أو من جيلٍ إلى جيل)، هذا ومن الممكن أن يكون أكثر من فردٍ في نفس العائلة يعانون من مرضٍ ما دون أن يكون وراثيًّا، وذلك لأنهم يشتركون بنفس البيئة كالعادات الغذائيّة مثلًا، وفي أحيانٍ أخرى يساهم كلا العاملين الوراثي والبيئي في تطوّر بعض الأمراض.

لا بدّ أنّك عرفتَ الآن لماذا يسأل طبيبك عن حالاتٍ مشابهةٍ في العائلة (الصغيرة أو الممتدّة) للأعراض التي تعاني منها عند زيارته.

ما هي الأمراض الوراثيّة، وكيف تنشأ؟

يتكوّن جسم الإنسان من ملايين الخلايا، تقوم كلّ خليّة بوظيفتها. تشترك جميعها بوجود نواة تحيط بمادتها الوراثية، تترتّب المادة الوراثيّة على شكل كروموسومات (صبغيّات)، وتحتوي كل خليّة جسديّة في جسمنا على 23 زوجًا من الكروموسومات، وهي الوحدات المسؤولة عن تناقل الصفات الوراثيّة من جيلٍ إلى آخر. قد تحدث بعض الاضطرابات أو الأخطاء في ترتيب المادة الوراثيّة على مستوى الكروموسوات أو حتى على مستوى الجينات، تسمّى الأخطاء التي تحدث على مستوى الجينات بالطفرات -كما وضّحنا سابقًا-، ينتج عن هذه الأخطاء أمراض واضطرابات معيّنة، وتقسم تبعًا لطبيعة الطّفرات التي حدثت إلى:

1- أمراض الكروموسومات التي تحدث نتيجة لوجود خلل في كروموسوم واحد أو جزء كبير منه (من نقصان أو زيادة أو أيّ تغيّر آخر)، ولعلّ المثال الأشهر على هذه الأمراض هو متلازمة داون.

2- الاضطرابات أحاديّة الجين Single-gene disorders وهي التي تحدث في جينٍ معيّنٍ متسبّبة في توقّفه عن الوظيفة التي كان يقوم بها، ومن الأمثلة على ذلك الثلاسيميا.

3- الاضطرابات متعدّدة العوامل تحدث بسبب طفرات في جينات متعدّدة، وفي الغالب تكون الإصابة بها متعلّقة بعوامل بيئيّة، ويُعَدُّ مرض السّكري والسرطان من أشهر الأمثلة على هذه الاضطرابات.

4- الاضطرابات الـمُتَقَدِّرِيّة (Mitochondrial disorders): وهي الاضطرابات التي تنتج عن طفرات في المادة الوراثيّة التي تكون موجودة داخل الميتوكندريا في الخليّة وليس في نواتها، وقد وُجِدَ أنّ هذا النوع من الاضطرابات يؤثّر على أي جزء من الجسم؛ كالدماغ والعضلات.

كما تلعب الجينات دورًا في الأمراض المعدية -كالسَّل والإيدز-، أو غيرها من الأمراض غير المعدية -كالسرطان والسكري- كما سنذكر لاحقًا خلال هذا المقال.

1- أمراض الكروموسومات:

سنتحدث هنا عن أكثر هذه الأمراض شيوعًا، وهي متلازمة داون:

  • متلازمة داون:

تنتج متلازمة داون من وجود نسخة ثالثة من الكروموسوم رقم 21، فيكون لدى الشخص المصاب بها 47 كروموسومًا. يحدث هذا نتيجة لخطأ أثناء انفصال الكروموسومات خلال تكوين الجاميتات، ورغم أن سبب خطأ الانفصال غير معروف إلّا أن احتمال حدوثه يزداد مع تقدّم عمر الأم. تسبب هذه المتلازمة عدة مشاكل لدى الشخص المصاب فبالإضافة إلى الصّفات الشكليّة المميّزة، يعاني الأشخاص المصابون بمتلازمة داون من إعاقة عقليّة واضطرابات السلوك بدرجات متفاوتة من شخص لآخر، بالإضافة إلى مشاكل جسديّة أخرى كأمراض القلب، والدّم، وانسدادات الجهاز الهضميّ، وغيرها.

2- الأمراض الجينيّة النقيّة (الأمراض أحاديّة الجين):

وهي الأمراض التي تنشأ نتيجة لحدوث تعديل على جين واحد في كلِّ خلايا الجسم، ورغم أنها نادرةٌ نسبيًّا، إلّا أنّ ملايين الأشخاص حول العالم يعانون منها، فيُقدّر العلماء أن أكثر من عشرة آلاف مرض عُرِفَت بأنها أحاديّة الجين. تُقدّر معدّلات الإصابة ب10 حالات لكل ألف، ويقدّر أنَّ 40% من عمل أطباء الأطفال في مستشفيات كندا يعود للأمراض أُحاديّة الجينات. تعتمد طبيعة المرض الناتج عن التعديل المذكور على وظيفة الجين الذي غيّرت منه الطفرة، ويمكن تصنيف هذه الأمراض -بناءً على نوع وراثتها- إلى ثلاث فئات:

1-    الأمراض الجينيّة السائدة

2-    الأمراض الجينيّة المتنحيّة

3-    الأمراض الجينيّة المرتبطة بالجنس (بالكروموسوم X)

وإذا كنتم تتساءلون عن الفرق فيما بينها، فإليكم الإجابة!

كل البشر لديهم نسختين من كل جين، تُعرَف النّسخة الواحدة منها بالأليل. يلزم أن يكون الأليلين مُختلَّين حتى يصاب الإنسان بالأمراض الجينيّة المتنحيّة، أما الأمراض التي يكون اختلال أليل واحد في خلايا الإنسان كافيًا للإصابة بها فتُعرَف بالأمراض الجينيّة السائدة. أمّا إذا كانت الجينات المصابة محمولة على الكروموسوم X فإنها تُسمَّى الأمراض المرتبطة بالجنس، ومن الممكن أن تكون سائدة أو متنحيّة كغيرها من الأمراض.

الثلاسيميا وفقر الدم المنجليّ ونزف الدم (الهيموفيليا) والتليُّف الكيسيّ وغيرها من أشهر الأمثلة على هذه الأمراض، وفي ما يلي تعريف بسيط بالثلاسيميا:

  • الثلاسيميا:

الثلاسيميا بنوعيها -ألفا وبيتا- من أشهر الأمراض الجينيّة المتنحيّة في العالم، والتي تنتج عن اختلال الجين المسؤول عن أحد الأحماض الأمينيّة في سلسلة الهيموغلوبين الموجود داخل خلايا الدم الحمراء، ممّا يؤدّي إلى خلل في وظيفتها. يتكوّن مركّب الهيموغلوبين من 4 وحدات (ألفا وبيتا)، تحمل الجينات المسؤولة عن سلسلة ألفا على الكروموسوم 16، بينما تُحمَل الجينات المسؤولة عن سلسلة بيتا على الكروموسوم 11، ويتمّ تقسيم أنواع الثلاسيميا بناءً على السلسلة الغائبة في كل نوع، فعلى سبيل المثال؛ إذا كانت جينات السلسلة ألفا هي المصابة فإن ذلك يؤدي إلى غيابها، وحينئذٍ يكون الشخص مصابًا بالثلاسيميا من النوع ألفا، وهكذا.

تعتمد شدّة الثلاسيميا وخطورتها على الجين المصاب ونوع الطفرة التي حدثت، ويمكن فحص الثلاسيميا عبر فحوصات الدمّ الروتينيّة، إلا أنَّه يمكن تشخيصها منذ الأسبوع العاشر إلى الحادي عشر من الحمل عبر أخذ عيّنة من خملات الكوريون أو السائل المحيط بالجنين.

3- الجينات والأمراض غير المعدية:

تتخلّل اضطرابات الجينات معظم الأمراض، هذا بالإضافة إلى تأثير العوامل البيئيّة بالطبع، فقد لا يولد الشخص مصابًا بالمرض، إلّا أنّه يكون عرضةً له بشكل كبير، وهو ما يُدعى بالاستعداد الوراثيّ. تعمل منظمة الصحة العالمية على بحث علاقة بعض الأمراض غير المعدية الشائعة بالجينات، فعلى سبيل المثال يرتبط حدوث السرطان ببعض الجينات المُثبِّطة للأورام بالإضافة إلى نمط الحياة المُتَّبَع، وتميل أمراض القلب والشرايين للظهور بأشكال مختلفة باختلاف العِرق، فالأشخاص من أصل أفريقيّ يعانون من السكتات الدماغية التي تنتج عن أمراض القلب والشراييين، بينما الجنوب آسيويين يميلون للإصابة بالجلطات القلبيّة. فهم الاستعداد الوراثيّ لمرضٍ ما وأهميّة التعديل على نمط الحياة (كالإقلاع عن التدخين أو شرب الكحول) وما يعكسه ذلك على تقليل أو زيادة احتماليّة الإصابة بالمرض مهم جدًا للعامّة، لمساعدتهم على اتّخاذ قرارات صحّية هامّة تنعكس على حياتهم وصحّتهم.

  • السرطان:

حسب منظمة الصّحة العالميّة (2002)، فإنّ السرطان يتسبَّبُ بـ7.1 مليون وفاة سنويًا. يمكن أن يحدث السرطان نتيجة لطفراتٍ في جيناتٍ مسؤولة عن ترجمة بروتينات تساهم في عمليّة تضاعف الخلايا أو تصحيح الأخطاء الناتجة عن عملية نسخ الحمض النوويّ، وتنعكس هذه التغيّرات الجينيّة على الخلايا خلال تحوُّلها إلى خلايا سرطانيّة. خطوات تحوّل الخلايا لا تحدث فجأة، أي أنّ الخلايا لا تصبح سرطانيّة بين ليلة وضحاها، فقد تستغرق العملية عادةً 20 عامًا أو أكثر. الطفرات في الجينات المهمة (الجينات المُثبِّطة) أو (جينات السَّرطنة) أو الجينات اللّازمة لتصحيح الأخطاء التي قد تحدث في المادة الوراثيّة تؤدّي جميعًا إلى عدم استقرار الجينات وخسارة الخلايا لتمايزها بالتدريج، كما وتمتاز هذه الخلايا بقدرتها على تكوين الأوعية الدمويّة الخاصّة بها لتغذية الورم، بالإضافة إلى فقدانها القدرة على موازنة تضاعف الخلايا بالموت المُبرمَج؛ ممّا يؤدّي إلى نموّ الأورام بسرعة واستعمارها للأنسجة المحيطة، والانتشار عبرها أو عبر الدم أو الجهاز اللّمفيّ إلى أعضاء بعيدة.

  • السّكري:

يُقدّر أنّ 180 شخصًا حول العالم يعانون من السكري اليوم. يحدث السّكري عندما لا يستطيع الجسم إنتاج كميّة تكفيه من هرمون الأنسولين أو عندما يحدث خلل في عملية دخول السّكر إلى الخلايا، ممّا يؤدي إلى ارتفاع تركيز السكر في الدم، ممّا يؤدي إلى مضاعفاتٍ عديدة طارئة أو مزمنة، لا يزال سبب حدوث السّكري غامضًا، لكنّ العامل الوراثيّ وبعض العوامل البيئيّة كالسّمنة وعدم ممارسة الرياضة تلعب دورًا رئيسيًّا بحدوثه.

للسكري أنواع مختلفة:

– النوع الأول: يحدث نتيجة لتدمير خلايا البنكرياس نتيجة لمهاجمته من قبل جهاز المناعة، أو مرض فيروسي، أو غيره، وغالبًا ما يحدث عند الأطفال.

– النوع الثاني: ينتج هذا النوع عن مقاومة خلايا الجسم لهرمون الأنسولين، وعادةً ما تكون هذه المقاومة ناتجة عن السّمنة.

– سكري الحمل: وهو نوع يصيب السيّدات الحوامل خلال فترة حملهنّ.

4- الأمراض المعدية والجينات:

بالإضافة إلى العامل الوراثيّ الّذي يلعب دورًا مهمًّا في تطوّر بعض الأمراض المعديّة، تلعب الجينات أيضًا دورًا مهمًا في العلاج من بعض الأمراض المعدية؛ كالإيدز، والسّل، والملاريا.

بالإضافة إلى العلاج، كيف يمكن الاستفادة من علم الجينات في الطب؟

الاختبارات والفحوصات الجينيّة لها العديد من التطبيقات الطّبية خاصة في فحوصات ما قبل الولادة لمعرفة ما إذا كان الجنين حاملًا لجين مرضٍ ما، أو للتشخيص، أو في علم الوراثة الدوائيّ.

وقد أسدلت التدخّلات الجينيّة الطبيّة الستار على العديد من الأسئلة الأخلاقيّة التي لا يزال مُختلَفًا على إجاباتها، هذا بالإضافة إلى العديد من القضايا المتعلّقة بدقّة البيانات وتحليلها وحفظها واسترجاعها.

تدقيق علمي
atom
تدقيق لغوي
تصميم