Skip to content

سلسلة الطب الدقيق (3): ما هو علم التخلُّق؟

 

الجينوم هو المجموعة الكاملة للحمض النوويّ الخاص بالكائن الحي ويحتوي على كل الجينات (الوحدة الوظيفيّة والعضويّة). كل جينوم يحتوي على جميع المعلومات اللازمة لبناء واستمراريّة الكائن. في كل خليّة ذات نواة في جسم الكائن البشريّ توجد نسخة كاملة من الجينوم فيها أكثر من ٣ مليارات زوج قاعديّ للحمض النوويّ.

لنتخيل أنَّ الجينوم هو كتاب يحتوي على كلِ المعلومات التي تبني وتُشغّل هذا الكائن -كدليلِ الاستخدام الذي نجده مع كل جهاز- هذا الكتاب فيه ٢٣ فصل وكل فصل هو زوج كروموسومات، الفصل الواحد يحتوي آلاف القصص وكل قصّة هي (جين) له وظيفته وقصته التي ستترجم لاحقاً إلى بروتين، كل قصة تتضمن عدّة فقرات وهي قطع الإكسونات والإنترونات التي يتكوّن منها الجين. كل فقرة تحتوي على عددٍ من الكلمات وهذه هي الكودونات. وكل كلمة تحتوي على ثلاثة حروف تسمى قواعد، لكن الاختلاف هنا أنَّ كتاب الجينوم قد كُتِبَ باستخدام الحروف الأربعة التالية فقط -أربعة قواعد G-C-T-A تُقرأ في بعض المرات من اليسار إلى اليمين وبعض المرات من اليمين إلى اليسار. المدهش أيضاً في كتاب الجينوم أنَّه قادرعلى أن يصوّر نسخةً من نفسهِ وتُسمى عملية النسخ هذه بعمليّة الترجمة.

ما هو علم التخلّق أو ما فوق الجينوم؟

الجينوم وما يحتويه من شيفرة الحمض النوويّ ما هو إلا جزء من الصورة الكاملة، سلسلة الحمض النووي في الحقيقة ملتفّة حول بروتينات تدعى هستونات، وتوجد فوق كلّ الهستونات وأجزاء الحمض النووي مركبات كيميائيّة تتفاعل وتتأثر بالبيئة الخارجيّة. هذه المركبات ليست جزءًا من شيفرة الحمض النوويّ، وإنّما تكون ملتصقةً فوقه لهذا يسمى المصطلح بالإغريقية epigenetics وكلمة epi تعني فوق أي ما فوق الجينات. هذه المركبات الكيميائيّة تؤثر على فاعليّة الجينات، فمثلاً قد تؤدي إلى تنشيط جين مُعيّن أو إلى تثبيطه، فلا تتم قراءته ولا ترجمته بالرغم من وجوده الفعليّ في الشيفرة. العوامل التي تؤثر على هذه المركبات الكيميائيّة تأتي من البيئة الخارجيّة؛ كنوعِ الحمية الغذائيّة والتعرّض للضغطِ النفسيّ، وتلوّثِ الهواء وغيرها من المؤثرات البيئيّة. هذه المركبات الكيميائيّة لا تُغيّر تسلسل الحمض النوويّ نفسه وإنَّما تُغيّر من طريقة الخليّة في التعامل مع بيانات الحمض النوويّ؛ فمثلاً في حالات التوائم -الذين يكون لديهم أكبر قدرٍ ممكن من تشابهِ الجينات بينهم- إذا افترضنا أنَّ الاثنين لديهما طفرة في جين مُعيّن يرفع احتمالية إصابتهما بمرضٍ ما أو ورم، قد نجد أحيانًا أنَّ أحدهما فقط مُصاب بينما الآخر غير مصاب مع أنَّه يحمل نفس الطفرة في نفس الجين! السبب قد يكون اتباعه لنظامٍ صحيّ جيد في حياته، مما أدى إلى تثبيط وإيقاف عمل هذا الجين وهنا تكمن أهمية نمط حياة الإنسان.

إذن فالتخلُّق -أو ما فوق الجينات- هو ما يخبر الجينوم ماذا عليه أن يفعل وأي الجينات ستترجم من كتاب الجينوم.

ماهي عملية المَثْيَلَة وأسترة الهستونات؟

تعتبر المَثْيَلَة أحد أنواع تغيُّرات ما فوق الجينات، وهي عملية إضافة جزيئات صغيرة تُسمى مجموعة ميثيل إلى سلسلة الحمض النوويّ وكل مجموعة ميثيل تتكوّن من ذرةِ كربون واحدة وثلاث ذرات هيدروجين. عند إضافة مجموعة الميثيل لجين مُعيّن ينتج عن ذلك تثبيط عملية نسخ للجين وإسكاته عن وظيفته مما يؤدي لعدم قراءته ولا ترجمته لبروتين مُعيّن. يوجد آليات أخرى بالإضافة للمَثْيَلَة تساهم في التخلّق كأسترة الهستونات وهي عملية إضافة جزيئات تدعى مجموعة أسيتيل -تتألف من مجموعة ميثيل مضافة لكربونيل- لذيول الهستونات. وعند أسترة ذيول الهستونات يؤدي ذلك إلى إتاحة الفرصة لنسخ هذا الجين وبالتالي تحفيز عملية ترجمته لاحقًا.

كيف يعمل علم التخلّق داخل خلايا الجسم المختلفة؟

جسم الكائن الحي يحتوي آلاف المليارات من الخلايا المتخصصة في وظائف مختلفة، كل خلية تحمل نفس نسخة الجينوم كاملةً داخل نواتها لكن الذي يحدد اختلاف خليّة العين عن خليّة العظم هو التخلُّق أو ما فوق الجينات. هذا الاختلاف بين الخلايا نتج عن طريق كميّة ونوعيّة الجينات التي تم تنشيطها أو تثبيطها في هذه الخلايا. فمثلاً خلايا العين تقوم بتنشيط الجينات المسؤولة عن صنع البروتينات التي تتفاعل مع الضوء بينما خلايا الدم الحمراء تنشّط الجينات المسؤولة عن البروتينات التي تحمل الأكسجين إلى أنحاء الجسم.

هل يمكن للتخلُّق أو ما فوق الجينوم أن يتغيّر؟

بالرغم من أن الخلايا جميعها تحتوي نفس الجينوم لكن نوع حياة الإنسان والعوامل البيئيّة (كالتدخين والحمية الغذائيّة والأمراض الجرثوميّة وغيرها) قد تعرّض الخلية لضغطٍ يتفاعل مع المركبات الكيميائيّة الملتصقة على سلسلة الحمض النووي. التغييرات التي ستنتج عن هذه التفاعلات قد تكون في بعض الأحيان خطيرة ومؤذية، والعكس صحيح.

هل يمكن توارث معلومات ما فوق الجينات؟

هذه التغييرات يمكن تناقلها من خليّةٍ لأُخرى خلال عملية انقسام الخليّة وبالتالي يمكن توارثها من جيلٍ لآخر. انتقال هذه التغييرات خلال الانقسام يساعد هذه الخلايا في إبقائها متخصصة بوظائفها المعروفة.

ما علاقة تغييرات التخلق أو ما فوق الجينات بالسرطان؟

السرطان هو نتيجة تغييرات في الجينوم أو ما فوق الجينوم أو كليهما معًا. بالنسبة للجينوم، فالسرطان يحدث نتيجة طفرات في سلسلة الحمض النوويّ أما بالنسبة لما فوق الجينوم فهو نتيجة تنشيط أو تثبيط جينات مسؤولة مثلاً عن نمو الخليّة أو ردة فعل المناعة، هذه التغييرات تؤدي إلى نموٍ سريع وخارج عن السيطرة للخليّة أو فشل جهاز المناعة في محاربة السرطان.

تدقيق علمي
atom
تدقيق لغوي
edit
تصميم