Skip to content

لماذا نصبح عاطفيين ليلاً

 

لا بد أنَّك قد جربت مراراً أن تصاب بالأرق ليلاً، وما يصاحب ذلك من ارتفاعٍ في معدل الأفكار السلبية التي تطرق تفكيرك بلا هوادة، والتي قد تلجأ للتعبير عنها بالبوح لشخصٍ مُقرب أو بالكتابة على إحدى حساباتك الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي، ثم تستيقظ في اليوم التالي مع إحساسٍ مُزعج بالنّدم على ما بدر منك في الليلة السابقة، حتى أنَّك لتتسائل: “هل أنا من تفوّه بتلك العبارات حقاً؟ لمذا كنت مكتئبًا إلى ذلك الحد؟” الاكتئاب الليلي أو “مشاعر ما بعد منتصف الليل” كما يحلو لبعض مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي تسميتها، هو أمرٌ يعاني منه أغلب الأشخاص، فما هي الأسباب خلفه؟

الليل هو الفترة الذهبية لعملية اجترار المشاعر السلبية وتذكر جميع المواقف المحزنة التي مررنا بها، لما يوفره لنا غطاء الليل من هدوءٍ وفرصةٍ للخلوة إلى ذواتنا دون إزعاجٍ أو مشتتات، وبما أنَّ الإنسان يميل للتأمل في ذاته عندما يكون بمفرده، فإنَّه يستحضر بهذا التأمل مشاعره الحزينة والسلبية.
لكننا نخلو إلى أنفسنا نهارًا؛ فلماذا لا نستحضر مشاعرًا سلبية كتلك التي نشعر بها في حال خلوتنا إلى أنفسنا ليلاً؟ هناك عدة إجابات لهذا السؤال، الأولى هي ما يسمى بـ اضطراب الإيقاع اليومي، أظهرت دراسات عديدة وجود علاقة ما بين اضطراب الإيقاع اليومي وبين التسبب بالتقلبات المزاجية على المدى القصير، وارتفاع معدلات خطر الإصابة بالاكتئاب أو مفاقمة أعراض الاكتئاب على المدى الطويل، حيث أنَّ الإيقاع اليومي  هو ساعة داخلية لجسم الإنسان تضبط دورة النوم اليومية، ويحكمه جزء من الغدة النخامية في الدماغ. إنَّ العبث بمواعيد هذه الساعة الداخلية، مثل عدم تلبية نداء النوم الذي ينطلق في وقت محدد كل ليلة، من شأنه أن يؤثر سلبًا على مزاجك، لذلك؛ توقف عن عرقلة إيقاعك الداخلي، واستسلم للنوم حالما تشعر بالنعاس ليلاً.

أما الإجابة الثانية؛ فهي الشعور بالتعب، عادةً ما نمارس أنشطتنا الحياتية نهارًا، مثل الذهاب للعمل، القيام بالأعمال المنزلية، التسوق … إلى آخر القائمة، تستنزف هذه الأنشطة طاقة جسم الإنسان والتي نسترجعها بالخلود للنوم ليلاً، إلا أنَّ عدم تعويض الجسم والدماغ عن فقدان هذه الطاقة سيقلب الطاولة عليك، لأنَّ المزاج السيء سيكون لك بالمرصاد، ذلك لأن أدمغتنا تفقد قدرتها على التوازن والتحكم عندما تكون منهكة، يرجع هذا الأمر إلى تركيب الدماغ، حيثُ أنَّ الأجزاء القديمة من الدماغ يتم التحكم بها بوساطة القشرة المخيّة الحديثة، تشتمل هذه الأجزاء القديمة على الدارات المتخصصة بالتحكم في السلوك العاطفي، بما في ذلك اللوزة الدماغيّة المسؤولة عن إدراك وتقييم العواطف و المدارك الحسية والاستجابات السلوكية المرتبطة بالخوف والقلق، أظهر مسح الدماغ ارتفاع معدل الاستجابة في هذه الأجزاء بنسبة 60% عندما يكون الدماغ محرومًا من النوم، لذلك نزداد عاطفيةً وحساسيةً بعد منتصف الليل، أي عندما تكون أدمغتنا متعبة جدًا وبحاجة للراحة.

إضافةً لذلك، أظهرت دراساتٌ عديدة ارتباط الحرمان من النوم بالاضطرابات المزاجية على المدى القصير، وارتباطه بارتفاع خطر الإصابة بالاكتئاب على المدى الطويل. إنَّ ثنائية الاكتئاب ومشاكل النوم كانت ولا زالت محطّ بحثٍ ودراسات للعلماء، فكما لا زالت البشرية حائرة في أمرها بخصوص معضلة ” أيُّهما جاء أولاً، البيضة أم الدجاجة؟ ” لا زال العلماء في حيرةٍ من أمرهم حول تساؤل ” هل يؤدي الأرق المزمن للاكتئاب، أم أنَّ الاكتئاب يُسبب الأرق؟ ” بغض النظر أيُّهما جاء قبل الآخر، فما نعرفه الآن هو أنَّهما يسيران جنبًا إلى جنب، ويغذيان بعضهما بعضًا، إلا أنَّ بعض الدراسات قد أظهرت أنَّ اضطرابات النوم غالبًا ما تسبق الإصابة بالاكتئاب ، إذ يؤدي وجود هذه الاضطرابات إلى زيادة حِدّة أعراض الاكتئاب –في حال إصابة الشخص به أصلاً-.

لنرجع الآن للسؤال المطروح في بداية المقال، لماذا تجتاحنا المشاعر المحزنة ليلاً على الأغلب؟ لقد هيمن عامل النوم على الإجابتين السابقتين لهذا السؤال، إلا أنَّ لهذا التساؤل –كما ذكرت مسبقًا– إجاباتٍ عديدة، ثالثها هو الإضاءة! أظهرت دراسةٌ أُجريت في العام 2013 على الحيوانات تأثير التعرض للإضاءة ليلاً على الحالة المزاجية –خاصةً الإضاءة الزرقاء أو البيضاء– حيث حفّز وجود الإضاءة في الحجرة المخصصة للنوم الاستجابة الكئيبة لدى حيوانات الهامستر، وبتفصيلٍ أكثر، أدى وجود التلفاز في غرفةٍ مظلمة إلى رفع مستويات هرمون الكورتيزول لديها، كما أدى إلى إحداث تغييرات في الجزء الدماغي المُسمى بالحُصين (قرن آمون). إضافةً لهذه الدراسة، فقد تم إجراء دراسة أُخرى لدراسة تأثير التعرض للإضاءة ليلاً على كبار السن، حيث أشارت نتائج هذه الدراسة إلى وجود علاقة –غير واضحة بعد– ما بين التعرض للضوء أثناء الليل وما بين تطور أعراض الاكتئاب، وفقًا لهذه الدراسة، فإنَّ هذا التأثير قد يكون أسوأ على صغار السن، نظرًا لأن أعينهم حساسة أكثر للضوء.

ومن هذا المنطلق، يتوائم إيقاعنا اليومي –المذكور مسبقًا– مع هذه المعطيات، فالليل هو التوقيت المثاليّ للنوم، لأنَّ الإضاءة الاصطناعيّة المستخدمة ليلاً تؤدي لحدوث اضطرابات في هذا الإيقاع وفقًا لدراسةٍ أُجريت عام 2009، وكما ذُكِر مسبقًا؛ فإنَّ اضطراب الإيقاع اليومي من شأنه أن يقود لحدوث –أو مفاقمة- الاضطرابات المزاجية والمرضيّة مثل مرض الاكتئاب.

في هذا العالم، هناك صنفان من الأشخاص، من يستيقظون مبكرًا وينامون مبكرًا كذلك، ومن لا يفعلون، أوجدت دراسة أُجريت مؤخرًا علاقة ما بين النمط الزمني للأشخاص وما بين الاكتئاب، فكانت النتائج لصالح أولئك الذين يستيقظون مبكرًا، حيث كان الأشخاص الذين يستيقظون مبكرًا أقلُّ عرضةً للإصابة بالاكتئاب بنسبة 12%، أما الذين كانوا يذهبون للنوم في ساعات متأخرة من الليل، فقد ارتفعت لديهم نسبة الإصابة بالاكتئاب بنسبة 6%، وعلى هذا الأساس أشارت النتائج بوضوح إلى تسبب البقاء مستيقظًا ليلاً برفع نسب الإصابة بالاكتئاب على المدى الطويل.

لا بد أنَّك تشعر بالارتياح الآن بعد معرفتك بأسباب تحولك لشخص عاطفي أو حزين ليلاً، على الأقل بتَّ تعرف الآن أنَّ حياتك ليست بائسة، كل ما في الأمر أنَّك تُطيل السهر أكثر مما يجب، وتتعرض للإضاءة الصناعية ليلاً لفتراتٍ طويلة، لذلك؛ استمع لنصائح والديك، واخلد للفراش باكرًا لئلا تتسبب بإغراق حساباتك الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي بمزيدٍ من المنشورات الحزينة التي ستندم على كتابتها صباحًا!

تدقيق علمي
atom
تدقيق لغوي
تصميم