Skip to content

النظرة إلى العقل، كيف تطورت على مر العصور؟

 

نأخذكم في هذا المقال برحلةٍ تاريخية للتعرف إلى مفهوم العقل، كيف تطوّر وكيف اختلف بين الحضارات القديمة؟

الفراعنة، كيف نظروا إلى العقل؟

تُعدُ الحضارة الفِرعونية إحدى أعظَمِ الحضاراتِ التي عَرَفتها البَشرية، ولَعلَّ الأهرامات هي خَيرُ شاهدٍ ودَليل على عَظَمَةِ هَذهِ الحَضارة، كَما وعُرِفَ عَن الفراعنةِ تَقدُمِهِم الطبيّ خاصةً خِلال الفَترة المُمتدة من القَرن الثالث والثلاثين حتى القَرن الخامس قَبلَ الميلاد، إذ تَمكَنَ الفراعِنَةُ مِن إجراءِ الجِراحاتِ البَسيطة، وإصلاحِ الكُسور إضافةً لتركيبِ الأدوية التي وَجدَ العُلماء أّنَّها تتفقُ بِنسبَةِ 37% مع الصيَّغِ الدوائيةِ المُتعارف عَليها وِفقاً لدُستورِ الصيادلةِ البريطانيّ الصادر عام 1973 . قَد يُشَكِلُ اعتقاد الفراعنة عَنِ الدِماغ صَدمةً للبعض –نَظراً لتَقدُمِهمِ الطِّبي– إذ اعتَقَدَ الفراعِنَةُ أنَّ الدِماغ ما هوَ إلا “حَشوَةٌ للجُمجُمة”، وكانَ يُنظَرُ للقلبِ على أنَّهُ المُتحكِمُ بالجَسدِ والروح وهو الذي سيحاسَبُ عَن أفعالِ الإنسانِ في العالمِ السُفلي المُسمى (دوات)، إذ كانَ الحِسابُ يَتم  -حسب اعتقادهم– بأن يَقومَ إلهُ الموتِ والتَحنيط (أنوبيس) بأخذِ قَلبِ المُتوفى ووزنهِ في ميزان ذو كَفتين، فإذا رَجَحت كَفةُ القَلب فإنَّ مَصير هذا الإنسان هو النَعيم. كَما وتُشيرُ الدِراسات الأثرية إلى نُدرَةِ ذِكرِ الدِماغ في المَخطوطات الطبية الفَرعونية، فوصلَ إهمالُهم للدِماغِ إلى درجةِ أنَّهم لَم يُعطوه اسماً على خِلافِ بَقيةِ أجزاءِ الجِسم كما أنَّهم كانوا يتخلصونَ مِن الدِماغِ أثناء عَمليةِ التَحنيط عَبرَ القنواتِ الأنفية باستخدامِ خُطافٍ مَعدَنيّ، بينما كانوا يحتفظون بعنايةٍ ببقيةِ الأعضاء الداخلية مِثلَ الرئتين والكَبِد عبرَ وضعِها في محاليل حافِظة. لُحسنِ الحَظ تَنبّهَ الفراعنةُ إلى أهميةِ الدِماغ، واعترفوا بهِ كعضوٍ بَشري، حَدثَ ذلِكَ في العام 1700 قبل الميلاد، عندما قام كاتبٌ مِصريٌّ قَديم بتدوينِ السِجلِ الطبيّ لثماني وأربعين مَريضاً على لُفافةٍ مِن ورقِ البردى، حيثُ تَمتِ الإشارةُ صراحةً إلى الدِماغ ضِمن شرح حالات سَبعة مَرضى عانوا مِن إصاباتٍ في الرأس والدِماغ، حيثُ ناقشتِ المَخطوطة المُسماةُ بمخطوطةِ إدوين سميث -والتي تُعدُ أقدَمُ نَصٍ طِبي تَمَ العُثورُ عَليهِ- الدِماغ، الحَبلَ الشوكي، السحايا والسائل المُخّي الشَوكي.

الإغريق، هل كان لهم رأيٌ آخر؟

أبُقراط، مؤسِسُ المَدرسةِ الأخلاقيةِ الطِبية، والذي وُلِدَ في العام 470 قبلَ الميلاد، كَتبَ نَصوصاً عِدة حَولَ جِراحة الدِماغ، كان أول شَخص عُرِفَ عَنهُ دِرايته بالوظائفِ المُختلفة لِقسميّ الدِماغ الأيمَن والأيسر، حيثُ وَصفَ هذا الأمر بالازدواجيةِ العَقليَّة. أرسطو، الفيلسوفُ والعالِمُ العَظيم والذي عاشَ في الفَترةِ المُمتدة مُنذ العام 384 وحَتى العام 322 قبلَ الميلاد، اتفقَ مع الفراعنة في إهمالِهم للدماغ وفي اعتقادِهِم أنَّ القَلب هو المسؤولُ عَن الوعي والتَفكير، إضافةً إلى اعتَقَادهِ أنَّ الدِماغ هو عُضوٌ ثانويّ وظيفته أن يَحتويَ الروح وأن يَعمَلَ كمِضَخةٍ لتبريدِ الدَم، ونظراً لأنَّ البشرَ يمتلكونَ أدمِغةً أكبر حجماً مِن سائرِ المَخلوقات فإنَّهُم كانوا أكثرَ هُدوءاً و”عَقلانيةً” مِنها بسببِ فعّالية أدمِغتهم الكَبيرة في تبريدِ دِمائهم وتهدئتهِم ، وِفقاً لـ أرسطو. إلا أنَّ هذا الاعتقاد تَغيَّرَ بحلولِ القَرنِ الأول قبل الميلاد، عِندما قَدَّمَ عُلماء تَشريح من الإسكندرية ومِنهُم (روفِس مِن مدينةِ إفسيس) شَرحاً عَنِ الدِماغ وعِن تراكيبهِ الأساسية مِثل الطَبقات التي تُغلفُهُ، مِما مَهدَ الطَريق للطبيبِ الروماني (جالين) في القَرنِ اللاحق لأن يتوَصلَ لحقيقة أنَّ النشاط الذِّهني يَحدُث في الدِماغ وليسَ في القلبِ كما كان سائداً، وقد بُنيَ استنتاجه هذا على مُلاحظتهِ لأثرِ الإصابات الدِماغيّةِ على النشاطِ الذِهنيّ والقُدراتِ العَقلية، فتوصلَّ لاستنتاجٍ مفادُهُ أنَّ الدِماغ هَو موضِعُ ومَقَر الروحِ الحيوانية (وهي إحدى ثلاثِ أنفُس تًسكُن الجَسَد) وأنَّهُ عُضوٌ باردٌ ورَطب ويتألَفُ مِنَ السائلِ المَنَوي.

ماذا عن المُسلمين؟

خلالَ الألفيةِ الأُولى بَعد الميلاد، ظَلَّت نَظريةُ (جالين) تَتَرَبَعُ على عَرشِ النَظريات المُتعلِقةِ بالدِماغ، حتى العام 1000 ميلادي، عِندما أحدَثَ الطبيبُ المُسلم أبو القاسِم الزهراوي ثورةً في مَجالِ العُلومِ الطِبيةِ والجِراحية، فَقدَم شرحاً طِبياً وافياً عَنِ الدِماغ كما أدرَجَ عِدة عِلاجات للاضطراباتِ العَصبية في موسوعتِهِ الطِّبيةِ المُسماة (كِتابُ التصاريف لِمَن عَجِزَ عَن التأليف). ابنُ سينا، الطبيبُ الفيلسوف، الذي وُلِدَ عام 980 ميلادي، شَخَصَّ عِدة اضطرابات عَصَبية، إضافةً لتفريقهِ بينَ الشَلل الحاصِل لسببٍ خارجيّ وذاكَ الناجِم بِسَببِ عُطلٍ داخل الدِماغ، كَما أنَّهُ وَصَفَ السَكتةَ الدِماغيّة الناتجة عن الجلطاتِ الدِماغيّةِ. ولكن كيف كانت نظرة العصور المظلمة في أوروبا لهذا الأمر؟ وكيف ساهم عصر النهضة في تطور فهمنا الحالي للدماغ؟ وما هو رأي العلم الحديث؟

عصورُ أوروبا الوسطى، هل كانت حقاً مُظلمة؟

شَكّلت مسألةُ قُدسية الجَسدِ البَشَريّ عَقبةً في طريقِ عِلم التَشريح، خاصةً في المُجتمعاتِ التي كانت تَخضعُ لِسُلطةٍ دينية، أوروبا في عُصورِها الوسطى مَثلاً –المُمتدة مُنذُ القَرنِ الخامِسِ الميلاديّ وحتى القرنِ الخامس عَشر– حيث عانى العُلماءُ والأطِباء في تِلكَ الفَترة مِن تضييقِ الخِناقِ عَليهم مِن قِبلِ الكنيسةِ المَسيحية ورِجالِ الدين آنذاك، فكانَ التَشريح يُعدُ بمثابةِ تَدنيسٍ للجَسَد، مما أعاقَ العُلوم الطبية إلى حَدٍ كَبير.

عصر النهضة

شَكلتِ النَهضة التي هَبَت رياحُها على أوروبا في أوائلِ القَرن الرابع عَشَر، نُقطَة تَحوّل في مجالِ العُلومِ الطِبيّة، إذ أقدَمَ “أطِباءُ النَهضة” على تَشريحِ الجَسدِ البَشري بحرِيَةٍ أكبَر، مِما مَهدَّ الطَريق أمام الأطبّاء ليسبروا أغوارَ الدِماغ وليكْتَشِفوا تَركيبَهُ بِدِقَة. أندرياس فيزاليوس، طَبيبٌ مِن أطباءِ النَهضة، قامَ بتأليفِ كِتابٍ طِبيّ تَحدثَ فيهِ حَولَ الدِماغ وعِلمِ الأعصاب، أسماهُ “في أعمالِ الجِسمِ البَشَري” في العام 1543. في الفَترةِ ذاتِها قامَ الفنانُ ليوناردو دا فينشي برسمِ مُخططٍ تَشريحيّ للدماغ، كان دَقيقاً إلى حَدٍ كَبير ويهدُف إلى دِراسةِ العَلاقة بينَ الدِماغ والأعصابِ الشَميّةِ والبَصَرية، كَمَن سَبقوهُ، آمنَ دا فِنشي بأنَّ الروح تستوطِنُ الدِماغ، إلا أنَّهُ لَم يُفلِح في تَحديدِ مَوقِعها الدَقيق.

إلا أنَّ للفلسفةِ رأيٌ آخر، فالفيلسوفُ والرياضيُّ الفرنسي رينيه ديكّارت استبعدَ أنّ يكونَ للدِماغِ علاقةً بالمَلَكاتِ العُليا للإنسان مِثل العَقل والعاطفة، فالدِماغ حَسبُ رأيهِ لا يَعدو عَن كونِهِ آلةً تُسيّرُ الجَسَد. وفي أوائلِ القَرن السابع عَشر دَخلت مُصطلحات مثل المُخ، المُخيخ والنُخاع في المَجالِ الطِّبي، بفضلِ تَطورِ عُلومِ التَشريح، التي ساهمَت في إثراءِ النَظرةِ الماديةِ للدِماغ بَعيداً عَن أيَّة آراء فَلسلفية، حيثُ نَسَفت هذه الرؤيةَ الجَديدة أقاويلَ الأولينَ بأنَّ الدِماغ هو وعاءُ الروحِ وما إلى ذلك، كما وُجِّهَت انتقاداتٌ لاذعة لِنَظَريةِ الطبيبِ الرومانيّ (جالين أو جالينوس) السالِف ذِكرُهُ في الأعلى، القائلة بأنَّ الدماغ هو موطِنٌ للروحِ الحيوانية، ووصفت بالكلام الفارغ.

الرجل الذي غّيَّر ملامح علم الأعصاب إلى الأبد!

في العام 1848 أُصيب عامِلٌ في السكة الحديدية في أمريكا الشمالية، يُدعى (فينس غيج) بكسرٍ في مقدمة الجمجمة إذ اخترقها قَضيبٌ مَعدني، مما أدى إلى إصابةِ مِنطقةُ الفَصِّ الجَبهيّ في مُقدمةِ الدِماغ، المُفاجأة كانت في حُدوثِ تَغيّرٍ جَذري في شَخصيتهِ بَعدَ الحادِث، فتحولَ إلى شَخصٍ عِدائي مُهتاج الأعصاب بعد أن كان هادئاً مُسالماً، فَتحت هَذهِ الحادثة الباب أمام نَظرياتٍ عِدة اقترحَت أنَّ جُزءًا كبيراً مِن السِمات الشَخصية للإنسانِ تحدد في مِنطَقةِ الفَصِّ الجَبهيّ، مما أسَّسَ لِحقبَةٍ جَديدة في مجالِ عِلمِ الأعصاب.

القَرنُ العشرين

بَعدَ ثُبوت علاقة الدِماغ بالسِماتِ الشَخصيّة والحالة النَفسية، ظَهَرَ عِلمٌ جَديد يُدّعى بالعِلمِ أو بالطبِ النَفسيّ على يَدِ طبيب الأعصاب النِمساوّي (سيجموند فرويد) والدُ عِلم التَحليل النَفسيّ. في بداياتِ القَرنِ العِشرين قامَ فرويد بنشرِ نَظريتِهِ المُتعلقة بالعَقلِ اللاواعي وتَحكُمِهِ بالسُلوكِ البَشَريّ، والتي كانت أساساً لعِلم النَفسِ الحَديث. في العام 1929، قامَ طبيبُ الأعصابِ الألمانيّ هانز بيرغر، بتطويرِ آلةٍ تَقومُ بتخطيطِ النَشاطِ الدِماغيّ، عَبرَ قياسِ المَجالِ المَغناطيسي الناتجِ عن السيّالاتِ العَصبيّةِ الحاصلة في الدِماغ، مِما أثرى مَجالَ الأبحاث العَصبية، إضافةً لاستمرارِ استخدامِهِ بشكلٍ روتيني حتى يومنا هَذا كاختبارٍ تَشخيصيّ في مجالِ الطِبِ النَفسيّ. في مُحاولةٍ مِنهُم لتخفيفِ أعراضِ الاكتئاب وبعض الاضطراباتِ النَفسيّة، قامَ الطَبيبان (والتر فريمان) و (جيمس واتس) بأول عَملية جراحية دماغيّة تَضمَنت فَصل الصِلات بينَ القِشرة الجَبهيَّة وبين بقيّة الدِماغ، في عام 1936 ولسوءِ الحَظ لَم تثمر هذهِ الاستراتيجية عن نتيجة، على الرُغمِ مِن تَحسّنِ بَعض المَرضى، إلا أنَّ عِدةً آخرين عانوا مِن تَغيّراتٍ جَذرية في الشَخصيّة. في مُنتصف القرن الماضي، اقترح الطبيبُ الأمريكيّ (بول ماكلين)، أنَّ الدِماغ يتكوَّن فِعلياً مِن ثلاثة أدمِغة في آنٍ واحِد، كُلُ واحدٍ مِنها يتولى مَهام مُختَلِفة، وحدَّدَ وظيفة كُل جُزء. في العام 1974 قامت الطبيبة كانديس بيرت  باكتشافِ مُستقبلات الأفيون، وهو موقعُ الترابطِ الخلَوي للإندورفين في الدماغ، وقد أدى هذا الاكتشاف لمعرفة سَبب تأثير المُخدِرات مِثل المورفين على الحالةِ الذِهنيّةِ للشَخص، إضافةً إلى إثبات الأساس البيولوجي الكيميائي للمشاعرِ الإنسانية، مما قاد في النهاية إلى تأكيد الصلة بين علم النفس وعلم وظائف الأعضاء. خلال ثمانينيّات القَرنِ المُنعقد، بدأ عَددٌ مِن الباحثين في محاولة ربط النتائج التي خَرجت بها أبحاثٌ حول عِلم الأعصاب بالنماذج السُّلوكيةِ والطِّباعِ المُختلفة التي خَرجَ لنا بِها كارل يونغ، مما أثبتَ في نهايةِ المَطاف أنَّ التَشكيل العَصبيّ للشخَص يُسهِم بشكل كَبير في تَشكيل ملامح شَخصيتهِ.