Skip to content

سلسلة علم المناعة (5): التهاب المفاصل المناعي، وراثي أم مكتسب؟

 

على الرغم من تسميته، فإن تأثير هذا المرض المناعي يمتد إلى أبعد من مفاصل الجسم. إذ تتمظهر الأعراض عادةً على شكل إعياءٍ عام وتصلباتٍ صباحيّة وانتفاخٍ وألم في المفاصل، ثم ما يلبث تقدم المرض عند البعض أن يؤثر على أجهزةٍ وأعضاءٍ مختلفة من الجسم: كالرئتين والكلى والأوعية الدموية والطحال والعضلات والجهاز العصبي. هذا وغالبًا ما يصيب التهاب المفاصل المناعيّ من هم في الأربعينيات والخمسينيات من العمر، وتعادل نسبة الإصابة عند النساء أربع مرات من نظيرها عند الرجال. ولا يعني هذا على الإطلاق بأنَّ باقي الفئات العمرية في مأمنٍ منه، فالمرض قد يصيب الناس في أيّ مرحلة عمرية وقد سجلت حالات لأطفال لا يتجاوز عمرهم بضعة أشهر. ولهذا الداء جذور مناعيّة عميقة، إذ أنَّ الرد المناعي المفرط من قبل المصابين يؤدي إلى تدفق خلايا المناعة المسببة للالتهابات إلى السوائل المفصلية مما يؤدي إلى تعطيل عملية بناء العظم وزيادة نسبة فقدانه، الأمر الذي يسفر عن تآكل العظم المحيط بالمفصل وحدوث الآلام والانتفاخات المعروفة. ويُعتقد أن الخلايا التائية وخلايا البلعمة والخلايا البطانية (Endothelial cells) تقف كلها مسؤولة إلى حدٍ كبير عن الأذى الذي يلحق بالمفاصل من خلال تكوينها و إفرازها لسيتوكاينات محفزة للالتهاب. ويتم تشخيص المرض من خلال الفحوصات السريريّة وصور الأشعة وفحوصات مخبريّة متخصصة، إذ يكوّن المصاب أجسامًا مضادّة موجهة ضد بعض مكونات الجسم الذاتيّة. ومن الأجسام المضادة التي يمكن قياسها في المختبر: العامل الروماتويدي (Rheumatoid factor) والأجسام المضادة للبروتينات المحتوية على السيترولين (Anti-CCP). ويعتبر وجود الأجسام المضادة سابقة الذكر من المؤشرات الداعمة للتشخيص، وليس من المعروف بعد إن كانت هذه الأجسام المضادة تلعب دورًا في نشوء المرض أم أنَّ دورها تشخيصيّ فحسب. كما يشهد عددٌ كبير من مرضى التهاب المفاصل المناعيّ ارتفاعًا في نسب البروتينات المرتبطة بالالتهابات في الدم مثل الفيبرينوجين (Fibrinogen) و C-Reactive Protein. أما نسب البروتينين C3 و C4 من النظام المتمم فغالبًا ما تكون طبيعية أو حتى مرتفعة على عكس ما نراه في أمراض مناعة ذاتيّة أخرى كالحمى الذؤابيّة التي تنخفض فيها نسب هذين البروتينين في الدم. ويلعب العامل الوراثيّ دورًا مهما في نشوء هذا المرض، إذ تبيّن أنَّ الأشخاص الذين يحملون جينات معيّنة مسؤولة عن تصنيع موقع متشابه (Shared epitope) على بروتين تطابق الأنسجة المعروف ب HLA-DRB1 هم أكثر عرضةً بكثير للإصابة بالمرض من سواهم. كما أن أولئك الأشخاص الحاملين لهذه الجينات غالبًا ما تتدهور حالتهم بشكلٍ أسرع وتكون أعراضهم أكثر شدّة من الأشخاص الذين لا يحملون هذه الجينات والذين غالبًا ما تكون شكواهم أبسط ولا تسوء حالتهم مع مرور الوقت. وعلى الرغم من القناعة العلميّة الراسخة بوجود عوامل وراثيّة مسؤولة عن هذا الداء، فإنَّ الكثير من العلماء يعتقدون بوجود عوامل بيئيّة مكتسبة تلعب دورًا أساسيا ومكمّلاً في نشوء المرض. فالإصابة ببعض الأمراض الفيروسيّة والبكتيريّة مثل فيروس الإبستاين بار (EBV) والبكتيريا المسببة لمرض السل قد تُحدث تغيّراتٍ مناعيّة عند بعض الأشخاص تحفّز على نشوء التهاب المفاصل المناعيّ، ولكن إجراء المزيد من الأبحاث في هذا الصدد ضروريّ لإثبات أو نفي الدور المفترض لهذه الكائنات المُمرضة. كما أنَّ مجموعة بحثيّة من السويد (Stolt et al., 2003) تمكنت من إيجاد رابط بين التدخين وزيادة احتمال الإصابة بمرض التهاب المفاصل المناعيّ، وقد فتح هذا البحث الباب على مصراعيه للبحث في الأثر المحتمل للعوامل البيئية والملوثات في نشوء هذا المرض. ختامًا، وبناءً على ما سبق، فإنَّ أسباب نشوء مرض التهاب المفاصل المناعيّ هي في أغلب الظن وراثيّة ومكتسبة في آنٍ معًا. إذ أنَّ بعض العوامل المحيطة بنا يمكن لها أن تُحفز جهاز المناعة عند الأشخاص ذوي القابليّة الوراثيّة لمهاجمة المفاصل وأماكن أخرى من الجسم. وتبقى الفحوصات الدوريّة أساسيّة في الكشف المبكّر عن هذه الحالات مما يمكّن من السيطرة عليها وعلاجها قبل أن تُحدث في الجسم أضرارًا متقدمة يصعب التعامل معها.

*هذه المقالة نشرت بإذنٍ من الكاتب بعد نشرها في صحيفة الرأي

تدقيق علمي
atom
تدقيق لغوي
تصميم