Skip to content

سلسلة علم المناعة (1): علم المناعة

 

لفهم جهاز المناعة في جسم الإنسان على أفضل وجه، ينبغي الانطلاق من فهم أصول كلمة «مناعة» لغويّاً، كذلك فهم تطور هذا العِلم تاريخيّاً من نقطة البدايات لغاية العصر الحديث. يُشتقُّ لفظ المناعة (Immunology) من الكلمة اللاتينية (Immunitas)، والتي تعني الحصانة من الملاحقات القضائية التي كان أعضاء مجلس الشيوخ الروماني يتمتعون بها. والمناعة هي الحصانة التي تتمتع بها أجسامنا من ملاحقة الكائنات المُسبِّبة للمرض. وبالرغم من أنَّ علم المناعة التجريبي البحثي حديث نسبياً، إلا أن مفهوم مناعة الجسم من الأمراض كان مُكتشفاً وراسخاً منذ زمن بعيد؛ إذ يعتقد البعض بأن أول ذِكرٍ لمفهوم المناعة من الأمراض تمَّ على يد المؤرخ اليوناني ثوسيديديس في القرن الخامس قبل الميلاد.

وقد طبَّق الصينيون القدماء فكرة التطعيم للحماية من الأمراض مُبكِّراً، إذ كانوا يدفعون أطفالهم لاستنشاق مساحيق مُستخرجة من جلد أشخاص مصابين بمرض الجدري البشريّ القاتل، لشحذ جهاز مناعتهم على مقاومة الإصابة بهذا المرض في حال التعرُّض إلى الفيروس المُتسبب به مستقبلاً. ولعلَّ التجربة المثيرة للجدل، التي أدخلت علم المناعة إلى صفوف العلوم التجريبية المُحكَمة التخطيط، هي تلك التي أجراها الطبيب الإنجليزي «إدوارد جِنِر»، لقد لاحظ جِنِر أن حالبات الأبقار اللواتي كُنَّ يُصَبنَ بمرض جدري الأبقار -قليل العواقب- لم يُصَبنَ قطّ بمرض الجدري البشري القاتل، الذي يسببه فيروس شبيه بذلك المُسبِّب لجدري الأبقار، استحوذت على إدوارد جِنِر فكرة أن الإصابة بفيروس جدري الأبقار قد تُكسِب الجسم مناعة من الإصابة بالجدري البشري الأكثر خطورة. ولدراسة صِحَّة هذه الفرضية، أقدم «جِنِر» على تجربة غيرت مجرى علم المناعة برمته، بطَلُ هذه التجربة كان طفلاً لا يتجاوز عمره الثماني سنوات، إذ قام «جِنِر» بحقنه بمادة مُستخرَجة من النساء المصابات بجدري البقر، فأُصيبَ الطفل بهذا المرض لاحتواء المسحوق المحقون على الفيروس المُسبّب للمرض، ثم ما لبث أن شُفي منه بعد فترة قصيرة. ثمَّ قام «جِنِر» بما لا يُسمح لأحد القيام به في يومنا هذا، لقد قام بحقن الطفل مرةً أخرى ولكن هذه المرة بفيروس الجدري البشري القاتل! فماذا كانت النتيجة؟ لم يُصب الطفل بأي مكروه!… فالمناعة التي اكتسبها جراء إصابته بمرض جدري البقر، كانت كفيلة بحمايته من الموت المحتوم بالفيروس القاتل! ويلاحظ هنا أن التجارب على البشر كانت تتمُّ دون مُعوِّقات أو إشكاليات قانونية، الأمر الذي جعل من القيام ببعض التجارب عالية الخطورة مُمكِناً. أما اليوم، فعلى التجارب أن تتمَّ أولا على الخلايا في الأنابيب والصحون المِخبرية، وفي حال الحصول على نتائج مُشجِّعة، تُجرى التجارب على حيوانات المختبر كالفئران والأرانب. وبعد دراسات مُعمَّقة وطويلة على الحيوانات وفي حال الحصول على نتائج مُشجعة، يمكن للباحثين تقديم طلبات لجهات علمية وتشريعية وأخلاقية بغرض الحصول على موافقات للقيام بتجارب على البشر. ويتم تخطيط تفاصيل هذه التجارب بدقَّة متناهية وبالاستناد على معايير سلامة عالية منقطعة النظير، تضمن عدم تعريض المرضى لأيّة مخاطر غير مبرَّرة. لقد تطوّر علم المناعة كثيراً منذ ذلك اليوم، وغدا الآن علماً واسعاً مستقلاً بذاته يضم فروعاً متعددة تطال مختلف مناحي صحة الإنسان ومرضه.

القادم أعظم، فالمعلومات المُستقاة من الأبحاث الحديثة تُفيد بأنَّ أداء جهاز المناعة متفاوت من شخصٍ إلى آخر. وتنبع هذه الخصوصية في كفاءة عمل جهاز المناعة من الفروقات الوراثية للأشخاص، واختلاف البيئة المُحيطة بهم. ولن أتعجب مستقبلاً أن يكون للفحوصات الوراثية دوراً مهماً جداً في تحديد فاعلية جهاز المناعة وقدرة الأشخاص المتفاوتة على مقاومة الأمراض المُختلفة. كذلك، ما زال الباب مفتوحاً على مصراعيه، أمام اكتشاف المزيد من الوسائل الوقائية والعلاجية –وعلى مستوى الفرد- والتي ستعتمد على التَّحكُّم بخلايا المناعة وتعديل آليات عملها، إما بتفعيلها أو بإخمادها لعلاج الكثير من الأمراض التي ما زالت تؤرق أطباءنا ومرضانا لغاية اليوم، وأخص بالذِّكر؛ مرض نقص المناعة المُكتَسب (الإيدز) والسرطان وأمراض المناعة الذاتية بأنواعها. نطمح أن يقوم العلماء العرب بطرح آخر المُستجدات العلمية التي تطال مجموعة الأمراض الناشئة عن اختلال عمل جهاز المناعة، ومناقشتها وشعبنتها للناس، وذلك بشرح كيفية حدوث هذه الأمراض وسُبل تشخيصها وعلاجها. على أمل أن تصبح هذه المعلومات العلمية ثقافة عامة يستفيد منها الجميع؛ لتحسين أحوالهم الصحية والمناعية.

تدقيق علمي
atom
تدقيق لغوي
تصميم