Skip to content

الأجسام المضادة

 

من منا لم يسمع عن المطاعيم و عن قدرتها على درء خطر الاصابة بالأمراض؟ إنَّ المكوّن الأساسي المسؤول عن هذه المناعة المكتسبة هي الأجسام المضادة (Antibodies) التي تكوّنها أجسامنا، فما هي الأجسام المضادة؟ و من يكوّنها و ما الغاية المرجوّة منها؟

مصدر الأجسام المضادة هي الخلايا البائية التي يتم إنتاجها في نخاعِ العظم، ووظيفة هذه الخلايا هي التعرف على علامات فارقة موجودة على سطح الجراثيم المتعددة التي تغزو جسم الانسان، و هذه العلامات المميزة الموجودة على سطح الجراثيم تدعى مولدات الأجسام المضادة (Antigens). و هكذا ففي حال تعرف الخلايا البائية على هذه العلامات المميزة، والتي تخلو منها أسطح خلايا الجسم الطبيعية، فإنَّها ترتبط بها و عند ذلك تتحول الخلية البائية إلى مصنعٍ للأجسام المضادة وتدعى خلية البلازما، القادرة في بعض الأحيان على إنتاج و إفراز أكثر من 2000 جسم مضاد في الثانية! المنتج الأول من الأجسام المضادة هو من نوع IgM، يثبط الجراثيم و يبرع في تحفيز الجهاز المناعي المكمل. و في علم المختبرات المناعي فإنَّ الكشفِ عن الجسم المضاد IgM هو دلالة على وجود إصابة حديثة بالمرض. ثم ما تلبث الخلايا البائية على تغيير نوع الجسم المضاد المنتج حسب نوع الجرثومة التي تهددنا و مكان تواجدها. تقوم هذه الأجسام المضادة بالارتباط بتلك الجراثيم و إعاقة قابليتها على الحركة و الالتصاق بأنسجتنا و بالتالي تضعف قدرتها على تسبيب الأمراض، كما أن التصاق الأجسام المضادة بالجراثيم يفضحها مناعيًا بحيث تسهل رؤيتها من قبل خلايا المناعة الأخرى و منها على سبيل التعداد لا الحصر: خلايا البلعمة و العدلات و الخلايا القاتلة الطبيعية (NK cells) التي تهم بالتعرف عليها و القضاء عليها بطرق متعددة. إذن، نرى بأنَّ الأجسام المضادة تشكّل سحرًا مناعيًا فعالاً منقطع النظير في وفرته و تنوّعه و قدرته على التعامل مع مختلف أنواع الكائنات الممرضة التي قد نتعرض إليها في حياتنا، و لكن لماذا ينقلب السحر على الساحر في بعض الأحيان و كيف؟

الحالات متنوعة و كذلك هي الأسباب، فبعض العوامل الوراثية ممزوجة مع عوامل بيئية و مرضية مختلفة قد تدفع بجهاز المناعة أن يرتكب أخطاء عادة ما تكون ذات عواقب وخيمة على الإنسان! أولى هذه المشكلات أمراض الحساسية التي يرصد فيها جهاز المناعة بعض المكونات التي نأكلها أو نتنفسها أو نلمسها و يعتبرها خطرًا، فيعمد على مهاجمتها. مثال ذلك الحساسية التي نصاب بها من أكل الفستق أو لدغة النحلة أو استنشاق حبوب اللقاح في فصل الربيع. و في مواجهة تلك الحساسية يمكننا التعرف على مسببات الحساسية مخبريًا من خلال فحص دم يكشف عن الأجسام المضادة من نوع IgE الخاصة بالمأكولات أو المستنشقات المتنوعة.

و تجدر الإشارة إلى أنه في هذه الأثناء يصاحب الأعراض في بعض الحالات ارتفاعًا في أعداد الخلايا الحمضة و إفراز الخلايا الصارية لمادة الهيستامين. ثاني هذه المشكلات هو التحول المفاجئ لدى جهاز المناعة عند بعض المرضى في التعامل مع أنسجة وأعضاء ذاتيّة في أجسامنا على أنها غريبة و يجب مهاجمتها، تسمى مثل هذه الحالات أمراض المناعة الذاتية (Autoimmune Diseases) و يتم تشخيصها بتعاون مشترك ما بين الطبيب المختص من خلال الفحوصات السريرية و بين المختبر حيث تتوفر فحوصات مختلفة يمكنها الكشف عن وجود هذه الأجسام المضادة التي تتعرف على مكوناتنا الذاتية فتدل على وجود المرض و أحيانًا تسبق حدوثه و تكون مؤشرًا على اقتراب حدوث الإصابة. ثالث اعتلال هو ورم دموي حيثما تبدأ فيه خلية البلازما بالانقسام غير المنظم في نخاع العظم، إذ تطغى فيه هذه الخلية عدديًا على خلايا البلازما الأخرى و تشرع بتكوين كميات كبيرة من الأجسام المضادة من النوع ذاته. و تعرف هذه الحالة في مراحلها المتقدمة بالميلوما المتعددة. و من الأعراض المحتملة لهذا المرض أوجاع في العظم و فقر الدم و التهابات و مشاكل كلوية، و بالتزامن مع هذه الأعراض يُلاحظ مخبريًا ارتفاع مؤشر الالتهاب (ESR) و نسبة الكالسيوم في الدم. ويُعتبر العثور على نوعٍ واحد من الأجسام المضادة (M-band) في الدم و/ أو البول عند فصل مكوناتها كهربائيًا (Electrophoresis) من الدلالات القوية المساندة للتشخيص. بينما يصعب إيجاد علاجات تامّة ونهائية للكثير من الأمراض المناعيّة و فيما يعتمد الكثير منها على تخفيف الأعراض من خلال أدوية تضعف الاستجابة المناعيّة، تبقى الوقاية و الكشف المبكر عن تلك الأمراض الطريقة المثلى و يتم ذلك من خلال الفحوصات الوقائية الدورية و مراجعة الطبيب المختص في حال ظهور أي أعراض مرضيّة خارجة عن المألوف، فالكشف المبكر عن كثير منها يمنع المرض من التفشي و من الحاق الضرر الكبير بالمريض و بالتالي يسهم في توفير سبل العيش المريح و الصحي له.

*هذه المقالة نشرت بإذن من الكاتب بعد نشرها في صحيفة الرأي

تدقيق علمي
atom
تدقيق لغوي
تصميم