Skip to content

دراسة: الضغوطات النفسيّة المصاحبة لجائحة كورونا

 

اجتاح وباء الكورونا عالمنا بشكلٍ لم نشهد مثيلًا له من حيث سرعة الانتشار وضراوة المرض وأثره المباشر على حياة المليارات من سكّان العالم. إضافةً إلى الأثر الخطير على صحّة الملايين ممّن أصيبوا بالفيروس في كافّة أنحاء العالم وقارّاته الست. ومع أنّ الفيروس يؤثّر بشكلٍ رئيسٍ على المجاري التنفّسيّة والرئتين في الغالبيّة العظمى من المصابين، إلّا أنّ للفيروس القدرة للوصول إلى مجرى الدم من خلال أنسجة الرئتين المريضة، وبالتالي يستطيع الفيروس من خلال الدورة الدمويّة الوصول إلى أيّ عضوٍ في الجسم بما فيها القلب والدماغ وشرايينهما. وقد امتلأ الأدب الطبّيّ العالميّ في الأشهر العشرة الأخيرة بتقارير من مختلف الدول تبحث في حدوث قصورٍ قلبيٍّ حاد واضطراب نبض القلب والجلطة القلبيّة والجلطة الدماغيّة وغيرهم من أمراضٍ في هذين العضوين.

إلا أنّ أعدادًا كبيرةً ممّن لم يصابوا بالمرض تعرّضوا لضغوطاتٍ نفسيّةٍ واقتصاديّةٍ بليغةٍ بسبب الحظر والعزل وإغلاق شتّى مناحي الحياة البشريّة ونشاطاتها وفقدان الوظائف والدخل الماليّ أدّت إلى تغييراتٍ كبيرةٍ في سلوكاتهم وفعاليّتهم في العمل من قلقٍ وغضبٍ واضطراب النوم وفقدان القدرة على التركيز في النطاق العائليّ والوظيفيّ. هنا أيضًا، وتبعًا لهذه التغيّرات، تمّ نشر أبحاثٍ لا تعدّ ولا تُحصى تسرد تلك التغيّرات النفسيّة في الأشخاص غير المصابين بالفيروس وأثرها على صحّتهم على المدى القصير والبعيد.

منظور الدراسة

إلا أنّ ما لم يتنبه له الباحثون هو أثر الجائحة وما صاحبها من حظرٍ وعزلٍ وكسادٍ اقتصاديٍّ على تحفيز الجلطة القلبيّة والدماغيّة و الموت المفاجئ لدى غير المصابين بالفيروس. كان هذا هو مدخلنا إلى الدراسة الأردنيّة لتقييم الإصابات الشريانيّة في غير المصابين بفيروس الكورونا الناتجة عن الضغوطات النفسيّة والاقتصاديّة المصاحبة للجائحة (JOCORE Study). عمل أطبّاء أردنيّون من مجموعة أطبّاء القلب الأردنيّة للأبحاث (Jordan Collaborating Cardiology [JCC] Group) ومجموعة أكاديميّة القلب والشرايين (Cardiovascular Academy) وآخرون مختصون ومقيمون (JOCPRE Study Investigation Group) مند شهر نيسان 2020 على دراسة حالات المرضى المدخلين للمستشفيات الأردنية – من غير المصابين بالفيروس – بسبب الجلطات القلبيّة والدماغيّة أو حالات توقّف القلب المفاجئ ومن ثمّ يتمّ تقييمهم من حيث تعرّضهم لمحفّزٍ نفسيٍّ قويّ ومؤثّر خلال الجائحة أدّى إلى الإصابة الشريانيّة الحادّة.

وبمراجعة الأدب الطبّيّ المنشور لم نجد أيّ بحثٍ يتعرّض لهده الناحية المهمّة من أثر الجائحة على المجتمعات البشريّة في أيّ دولة، ممّا حدا بنا إلى نشر أوّل 55 حالة جلطة قلبيّة في الأردن ممّن تنطبق عليهم شروط الدخول في الدراسة. وتمّ نشر الدراسة – الموجة الأولى في تمّوز 2020 – في المجلّة الدوليّة لأمراض القلب السريريّة (International Journal of Clinical Cardiology) كما أُلقي ملخّص الدراسة ضمن البرنامج العلميّ للمؤتمر السنويّ لجمعيّة الأطبّاء العرب الأمريكيين في تشرين الأول 2020.

المرحلة التالية من الدراسة

ونظرًا لأهمّيّة الدراسة العلميّة والمجتمعيّة على المستوين المحلّيّ والعالميّ، فقد تقدّمت مجموعة الباحثين بالترشّح لصندوق عبدالحميد شومان لدعم البحث العلمي – نسخة أبحاث كوفيد 19 –لما تمثّله مؤسّسة عبدالحميد شومان من جهةٍ مؤثّرةٍ وداعمةٍ للبحث العلميّ الذي يُثري المجتمع المحلّي والعربيّ والعالميّ بقيَمٍ بحثيّة ودراساتٍ مهمّة. والدراسة هي امتدادٌ للموجة الأولى، إذ تستمرّ مجموعة باحثي الدراسة بضمّ المزيد من المرضى وبشكلٍ موسّعٍ لتشمل مرضى الجلطة القلبيّة والدماغيّة وتوقّف القلب المفاجئ. وبالإضافة إلى فريق الدراسة السابق فقد انضمّ أيضًا لمجموعة الباحثين فريقٌ من طلّاب كلّيّة الطبّ في الجامعة الأردنيّة وأساتذتهم وأطبّاء من كلية الطب في جامعة العلوم والتكنولوجيا. وتشمل المحفّزات التي يتمّ ربطها بالجلطات الحادّة الخوفَ بشكلٍ عامٍّ من الظرف الحاليّ أو الخوفَ من الإصابة بالكورونا أو الخوف من عدم تلقّي العناية الطبّيّة الكافية، أو الشعور بالوحدة، أو الحزن الشديد وفقدان عزيز، أو الغضب، أو الزيادة المفرطة بتناول الطعام أو التدخين، أو الجهد الجسديّ الشديد، أو فقدان الوظيفة، أو انعدام الراتب الشهريّ … الخ.

هذا وتحمل الدراسة إشاراتٍ في غاية الأهمّيّة من حيث تنبيه المواطنين إلى ضرورة الانتباه المبكّر إلى أعراض الضيق النفسيّ كالغضب أو القلق أو اضطراب النوم أو الشعور بالوحدة لدى أحد أفراد العائلة أو الأقارب أو زملاء العمل والمسارعة إلى الاستشارة الطبّيّة لتفادي تطوّر الأمر إلى مضاعفاتٍ في شرايين القلب أو الدماغ، خاصّةً في مرضى القلب أو ممّن لديهم عوامل خطر الإصابة بتصلّب الشرايين كمرضى الضغط والسكري والكولستيرول المرتفع والمدخّنين. إضافةً إلى ذلك، فإنّ نشر مثل هذه الدراسات الأردنيّة وإلقاءها في مؤتمراتٍ محلّيّةٍ وعربيّةٍ وعالميّةٍ يُعتبر مؤشّرًا واضحًا على الزيادة الملحوظة في الاهتمام بنشر ثقافة البحث العلميّ ووجود جهاتٍ داعمةٍ له.

ما هي نتائج الدراسة؟

أدخل للدراسة 199 مريضًا حتى منتصف كانون الثاني 2021، منهم المصاب بالجلطة القلبيّة، والمصاب بالجلطة الدماغيّة، وممّن تعرّضوا لتوقّف القلب المفاجئ. كان معدّل عمر المرضى 62 سنة، 80% منهم من الرجال. حوالي 50% كانوا من مرضى القلب السابقين و 45% كانوا ممّن لديهم أحد عوامل خطر الإصابة بتصلّب الشرايين التاجيّة كالضغط والسكّري والتدخين وارتفاع الكولستيرول.

ما هي المحفزات التي أدّت للإصابة الحادّة؟

المحفّزات كانت كالتالي: الضغط النفسي الناتج عن الحظر والعزل، الشعور بالوحدة، القلق، الخوف، الخوف من العدوى والإصابة بالفيروس، الغضب، فقدان عزيز، الجهد الجسديّ المضني، فقدان العمل أو الوظيفة أو نقص الدخل المالي، الإسراف في الأكل أو التدخين.

النتيجة المستخلصة؟

  •  وصلت الضغوطات النفسية والاقتصاديّة المصاحبة لجائحة الكورونا درجةً من الشدّة تكفي للتسبّب بإصاباتٍ شريانيّةٍ حادّةٍ قد تكون مُهدِّدةً للحياة في أشخاصٍ من غير المصابين بالكورونا.
  • من الضروري التنبّه لأعراضٍ نفسيّةٍ مبكّرةٍ من القلق والغضب والخوف لدى الأفراد المعرّضين لأمراض الشرايين الحادّة.