Skip to content

العلاج الجيني

 

تحدَّثنا في المقال السابق عن الطبِّ الدقيق، لكن ما هي تطبيقاته وكيف يمكننا الاستفادة منها في حياتنا العمليَّة؟لانُناقش في هذا المقال أحد تلك التطبيقات المُحتملة، وهو العلاج الجيني.

ما هو العلاج الجيني؟

العلاج الجيني هو تقنية تجريبيَّة تَستخدم الجينات لعلاج مرض ما أو الوقاية منه. يُتوقَّع في المستقبل، أن تسمح هذه التقنية للأطباء بمعالجة الاضطرابات أو الأمراض عن طريق إدخال جين في خلايا المريض بدلاً من استخدام الأدوية أو الجراحة. يختبر الباحثون عدَّة طرق للعلاج الجيني، بما في ذلك:

1- استبدال الجين المتحوِّر (أي المصاب بطفرة) الذي يسبِّب المرض بنسخة صحيَّة من الجين
2- تعطيل الجين المتحوِّر الذي يعمل بشكل غير صحيح.
3- إدخال جين جديد في الجسم للمساعدة في مكافحة مرض ما.

لكن، على الرغم من أنَّ العلاج الجيني هو خيار علاج واعد للعديد من الأمراض (بما في ذلك الاضطرابات الموروثة وبعض أنواع السرطان وبعض أصناف العدوى الفيروسيّة)، إلّا أنَّ هذه التقنية لا تزال محفوفة بالمخاطر ولا تزال قيد الدراسة للتأكُّد من أنَّها ستكون آمنة وفعَّالة. لذلك يجري حاليًّا اختبار العلاج الجيني فقط للأمراض التي ليست لها علاجات أخرى.

كيف يعمل العلاج الجيني؟

تمَّ تصميم العلاج الجيني لإدخال المواد الجينيَّة في الخلايا، وذلك للتعويض عن الجينات غير الطبيعيَّة أو لإنتاج بروتين مفيد. إذا تسبب الجين المتحوِّر في خلل أو نقصٍ في البروتين اللازم، فقد يكون العلاج الجيني قادرًا على تقديم نسخة طبيعيَّة من الجين لاستعادة وظيفة البروتين.
عادةً، لا يعمل الجين الذي يتمّ إدخاله مباشرة إلى الخلية بدون ناقل، لذلك يُستخدم الناقل. يُصمَّم هذا الناقل وراثيًّا لتوصيل الجين إلى المادَّة الوراثيَّة للخليَّة، وغالبًا ما تُستَخدم فيروسات معيَّنة كنواقل للجينات، لأنَّ بإمكانها توصيل الجين الجديد عن طريق إصابة الخلية. لكن بالطبع يتمُّ تعديل هذه الفيروسات بحيث لا يصبح بإمكانها أن تُسبِّب المرض عند استخدامها كنواقل في جسم الإنسان. تقوم بعض أنواع الفيروسات، مثل الفيروسات القهقرية “Retroviruses” ، بدمج موادها الوراثيَّة (بما في ذلك الجين الجديد) في كروموسوم الخليَّة البشرية. تقوم فيروسات أخرى، مثل الفيروسات الغديَّة “Adenoviruses”، بإدخال الحمض النوويّ الخاصِّ بها في نواة الخليَّة بدون دمجه في كروموسوم الخليَّة.

يمكن حقن هذا الناقل في الجسم أو إعطاءه عن طريق الوريد مباشرة في نسيج معيَّن في الجسم، حيث يتمُّ إيصاله بشكل مخصَّص لخلايا ذلك النسيج. من الممكن أيضًا، إزالة عيِّنة من خلايا المريض وتعريض هذه الخلايا للناقلات في بيئة معمليَّة، ثمَّ تُعاد هذه الخلايا التي تحتوي على ناقل إلى المريض. إذا نجح العلاج، فإنَّ الجين الجديد الذي تمَّ نقله سيصنع بروتينًا فعَّالًا، وبذلك يؤثِّر على عمل الخليَّة بحيث تعمل بشكل طبيعيٍّ وفعَّال. لكن، يجب على الباحثين التغلُّب على العديد من التحدِّيات التقنيَّة قبل أن يكون العلاج الجيني طريقة عمليَّة لعلاج المرض. على سبيل المثال، يجب على العلماء إيجاد طرق أفضل لإيصال الجينات واستهدافها لخلايا معينة. كما عليهم أيضا التأكُّد من أنَّ الجينات الجديدة يتمُّ التحكُّم فيها بدقَّة من قِبل الجسم.

يتم إدخال الجين الجديد مباشرة في الخليَّة. يكون الكائن الحامل للجين والذي يسمى بالناقل مُهندَس وراثيًّا لتوصيل الجين. يُدخل الفيروس الغدّي الحمض النوويّ في نواة الخليَّة، بدون دمجه في كروموسوم الخلية.

هل العلاج الجيني آمن؟

العلاج الجيني قيد الدراسة لتحديد ما إذا كان يمكن استخدامه لعلاج الأمراض، فالأبحاث الحاليَّة قائمة لتقييم سلامة العلاج الجيني، وستختبر الدراسات المستقبليَّة ما إذا كان خيار العلاج الجيني فعَّالًا حقًّا. لقد أظهرت العديد من الدراسات بالفعل أنَّ هذا النهج يمكن أن يكون له مخاطر صحيَّة خطيرة للغاية، مثل السُمِّيَّة والالتهابات والسرطان. نظرًا لأنَّ التقنيات جديدة نسبيًّا، فقد لا يمكن التنبؤ ببعض المخاطر؛ إلّا أنَّ الباحثين الطبِّيين والمؤسَّسات والوكالات التنظيميَّة تعمل على ضمان أن تكون أبحاث العلاج الجيني آمنة قدر الإمكان.
تساعد القوانين واللوائح والإرشادات الفيدرالية الشاملة على حماية الأشخاص الذين يشاركون في الدراسات البحثيَّة (وتُسمَّى التجارب السريريَّة). تُنظِّم إدارة الغذاء والدواء الأمريكيَّة (FDA) جميع منتجات علاج الجينات في الولايات المتحدة، وتشرف على الأبحاث في هذا المجال، حيث يجب على الباحثين الذين يرغبون في القيام بتجربة سريريَّة للعلاج الجيني الحصول أوّلًا على إذن من إدارة الأغذية والعقاقير الأمريكية، وتتمتَّع إدارة الأغذية والعقاقير بسلطة رفض أو تعليق التجارب السريريَّة التي يُشتبه أنَّها غير آمنة للمشاركين.
تلعب المعاهد الوطنيَّة للصحَّة (NIH) أيضًا دورًا مهمًّا في ضمان سلامة أبحاث العلاج الجيني، حيث توفِّر المعاهد الوطنية للصحة إرشادات للمحقِّقين والمؤسَّسات (مثل الجامعات والمستشفيات)، ليتمَّ اتِّباعها عند إجراء التجارب السريريَّة المتعلِّقة بالعلاج الجيني. تنصُّ هذه المبادئ التوجيهيَّة على أنَّ التجارب السريريَّة في المؤسَّسات التي تتلقَّى تمويل المعاهد الوطنيَّة للصحَّة لهذا النوع من الأبحاث يجب أن تكون مُسجَّلة لدى مكتب أنشطة التكنولوجيا الحيويَّة.حيث تتمُّ مراجعة البروتوكول، أو الخطَّة، لكلّ تجربة سريريَّة من قِبل اللَّجنة الاستشاريَّة للحمض النووي (RAC) لتحديد ما إذا كانت تثير مشكلات طبيّة أو أخلاقيَّة أو مشكلات متعلِّقة بالسلامة، ممَّا يستدعي المزيد من المناقشة في أحد الاجتماعات العامَّة للَّجنة الاستشاريَّة للحمض النووي.
يجب أيضًا أن يوافق مجلس المراجعة المؤسسيَّة (IRB) ولجنة السلامة الأحيائيَّة المؤسسيَّة (IBC) على كلِّ تجربة سريريَّة للعلاج الجيني قبل أن يتمَّ تنفيذها. ال IRB هي لجنة من المستشارين العلميِّين الطبِّيين بالإضافة للمستهلكين الذين يراجعون جميع البحوث داخل المؤسَّسة. ال IBC هي مجموعة تقوم بمراجعة واعتماد الدراسات البحثيَّة التي تتضمَّن بعض الخطورة المُحتملة. كما تجب الإشارة إلى وجود مستويات متعدِّدة من التقييم والرقابة التي تضمن أنَّ المخاوف المتعلِّقة بالسلامة هي أولويَّة قصوى في تخطيط وتنفيذ أبحاث العلاج الجيني.

ما هي القضايا الأخلاقية المتعلقة بالعلاج الجيني؟

لأنَّ العلاج الجيني ينطوي على إجراء تغييرات على مجموعة من المعلومات الأساسيَّة للجسم، فإنَّه يثير العديد من الاهتمامات والتساؤلات الأخلاقيَّة الفريدة. تشمل الأسئلة الأخلاقيَّة المحيطة بالعلاج الجيني:
1- كيف يمكن التمييز بين الاستخدامات “الجيِّدة” و “السيِّئة” للعلاج الجيني؟
2- من الذي يقرر السمات التي تُعتبر طبيعيَّة والسِّمات التي تُشكِّل إعاقة أو اضطراب؟
3- هل التكاليف الباهظة للعلاج الجيني تجعله متاحًا للأثرياء فقط؟
4- هل يجعل الاستخدام الواسع النطاق للعلاج الجيني المجتمع أقل قبولًا للأشخاص المُختلفين؟
5- هل ينبغي السماح للنَّاس باستخدام العلاج الجيني لتعزيز السمات البشرية الأساسيَّة مثل الطول أو الذكاء أو القدرة الرياضيَّة؟

تركز أبحاث العلاج الجيني الحاليَّة على علاج الأفراد من خلال توجيه العلاج لخلايا الجسم مثل نخاع العظام أو خلايا الدم. هذا النوع من العلاج الجيني، الذي يستهدف خلايا الجسم فقط، لا يؤثِّر على أطفال الشخص الذي استخدم العلاج الجيني، وبذلك فإنَّ أطفاله في المستقبل لا يزالون معرَّضين للإصابة بذلك المرض. لكن، يمكن للعلاج الجيني استهداف خلايا البويضة والحيوانات المنوية (الخلايا الجنسيَّة)، ممَّا يسمح بنقل الجين المُدخل إلى الأجيال القادمة. يُعرف هذا النهج باسم علاج جينات الخلايا الجنسيَّة.

إلّا أنَّ فكرة العلاج الجيني للخلايا الجنسيَّة مُثيرة للجدل، حيث في حين أنَّه يقوم بعلاج الأجيال القادمة في الأسرة من اضطراب وراثي معين، إلّا أنَّه قد يُؤثِّر على تطوُّر الجنين بطرق غير مُتوقَّعة أو قد تكون له آثار جانبيَّة طويلة الأجل لم تُعرف بعد، وذلك لأنَّ الأشخاص الذين سيتأثَّرون بالعلاج الجيني للخلايا الجنسيَّة لم يولدوا بعد، لذا لا يمكنهم اختيار ما إذا كانوا سيحصلون على العلاج أم لا. بسبب هذه المخاوف الأخلاقيَّة، لا تسمح حكومة الولايات المتَّحدة باستخدام الأموال الفيدراليَّة للبحث في العلاج الجيني للخلايا الجنسيَّة لدى الإنسان.

هل العلاج الجيني متاح لعلاج المرض المصاب به؟

العلاج الجيني متاح حاليًّا بشكل أساسيّ في الدراسات البحثيَّة. وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) على عدد محدود فقط من منتجات علاج الجينات للبيع في الولايات المتَّحدة. تُجرى مئات من الدراسات البحثيَّة والتجارب السريريَّة لاختبار العلاج الجيني، كعلاج الحالات الوراثيَّة والسرطان وفيروس نقص المناعة البشريَّة/ الإيدز. فإذا كنت مُهتمًّا بالمشاركة في تجربة سريريَّة، تحدَّث مع طبيبك أو أحد أخصائيِّي علم الوراثة حول كيفيَّة ذلك.  يمكنك أيضًا البحث عن التجارب السريريَّة عبر الإنترنت. ClinicalTrials.gov، هي خدمة تابعة للمعاهد الوطنيَّة للصحَّة، توفر سهولة الوصول إلى المعلومات حول التجارب السريريَّة. يمكنك البحث عن تجربة سريرية مُحدَّدة أو التصفُّح حسب الحالة الصحيَّة التي تهمُّك.

كتابة
محمد النوايسة
noun_write_1686569-01
تدقيق علمي
نسرين عشا
noun_Newspaper_1299103-01
تدقيق لغوي
نسرين عشا
noun_Proofreading review_1737806-01
تصميم
نرمين فودة
noun_design_695181-01