الشلل الرعاش – مرض باركنسون

 

يعتبر مرض باركنسون (الشلل الارتعاشيّ) من الأمراض التنكسيّة العصبيّة ويؤثر بشكلٍ أساسيّ على الجزء الدماغيّ المسؤول عن الحركة، إذ يعاني المصابون به من نقص الدوبامين -وهو أحد النواقل العصبيّة التي تلعب دورًا مهمًا في تنظيم الحركة- نتيجة حدوث عطل في وظائف الخلايا المنتجة له أو موت هذه الخلايا التي توجد في المنطقة السوداء في الدماغ، مما يؤدي إلى ظهور عدّة أعراض كارتعاش اليد وبطء الحركة وتيبس العضلات.

الأعراض

قد يسبب المرض الأعراض الحركيّة التالية، أو أعراضًا أُخرى تؤثر على حركة الشخص بشكلٍ عام:

1. الرعشة: تحدث غالبا في اليد أو في أحد أصابعها، أو في القدم أو الرجل كاملة، أو في الذقن، وغالبًا ما تحدث عندما يكون الشخص ساكنًا بلا حراك. وقد تكون هذه الرعشة إحدى العلامات المبكرة للمرض.

2. تيبُّس العضلات: والذي قد يحدث في الأطراف العلويّة أو السفليّة أو في الجسد نفسه، ومن الأمثلة على ذلك عدم تمايل اليدين بشكلٍ طبيعيّ أثناء المشي، أو أن تبدو القدم وكأنها عالقة عند المشيّ أو الالتفاف.

3. بطء الحركة، والذي قد يتمثل في بطء بدء الحركة، مثل حركة النهوض من الكرسي مثلاً، أو البطء أثناء القيام بالأنشطة الحياتيّة اليوميّة كارتداء الملابس، وبطء الحركات اللاإراديّة مثل الرّمش. وقد تتأثر بذلك عضلات الوجه أيضًا؛ مما قد يؤدي إلى افتقار الشخص لوجود تعابير وجهيّة لديه

4. خلل في الاتزان والوقوف والمشيّ: قد يؤدي اختلال التوازن لدى المرضى إلى زيادة خطر السقوط المتكرر، إضافةً  لما يميز هيأتهم عند الوقوف بشكلٍ مشدود مع انحناء الظهر، ومشيتهم المتثاقلة بخطوات قصيرة وبطيئة.

غالبًا ما تتطوّر هذه الأعراض بشكلٍ بطيء؛ مما قد يجعل ملاحظتها في المراحل الأولى أمرًا صعبًا، خاصةً أنَّ تطوّرها مع الوقت وشدّتها تختلفُ من شخصٍ لآخر. ومن الجدير بالذكر أنَّ أعراض المرض لا تقتصر على الأعراض الحركيّة، بل تشمل جوانب عدّة أخرى تؤثر على حياة المريض ونشاطاته اليوميّة، ومنها:

1. تغيّرات المزاج: يشيع حدوث الاكتئاب والقلق لدى مرضى الشلل الرعاشيّ.

2. تغيّر في القدرات العقليّة: مما يؤثر على الذاكرة، والقدرة على التفكير واستحضار الكلمات واتخاذ القرارات، لكن هذه الأعراض غالبًا ما تحدث في المراحل المتقدمة من المرض.

3. اضطراب حاسّة الشم: وذلك بانخفاض حساسيتها أو انعدامها، وهذا من أعراض المرض المبكرة.

4. صعوبة البلع: تتراجع القدرة على البلع مع تفاقم المرض، ويرافقها تجمّع اللعاب في الفم مما يؤدي إلى سيلانه خارج الفم.

5. صعوبة المضغ والأكل: يحدث هذا العرَض في المراحل المتقدّمة من المرض، حيث تتأثر عضلات الفم المسؤولة عن حركة المضغ، مما قد يؤدي إلى الاختناق بالطعام بالإضافة لفقدان الوزن.

6. مشاكل في التحدث: يصبح كلام المصابين بهذا المرض هادئًا وبنبرة واحدة ثابتة، أو بكلماتٍ أُخرى، يصبح حديثهم رتيبًا.

7. تغيرات في خطّ اليد: تصبح الكلمات المكتوبة بخطّ اليد أصغر حجمًا ومتقاربة جدًا من بعضها.

8. اضطرابات النوم: كالأرق وما يرافقه من النعاس والخمول خلال النهار.

9. الإمساك: إذ تصبح حركة الأمعاء بطيئة مما يؤدي إلى اضطراب عمليّة الإخراج.

10. الدوخة واختلال التوازن: يحدث هذا خصوصًا عند النهوض بعد الجلوس أو النوم، نتيجة انخفاض ضغط الدم عند المرضى.


الأسباب وعوامل الخطورة

ما زال السبب المباشر وراء المرض مجهولاً وفقًا لـ (مايوكلينك)، لكن الدراسات تشير إلى أنَّه نتاج مجموعة عوامل جينيّة وبيئيّة. ويعتبر مرض باركنسون من الأمراض المرتبطة مع تقدّم العمر؛ حيث يعدُّ التقدّم بالعمر من أهم عوامل الخطورة للإصابة بالمرض الذي يصيب غالبًا الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم حول الستين عامًا. لكن هذا لا ينفي أنَّ المرض قد يصيب الأشخاص الأصغر سنًا، حيث أنَّ ما نسبته من 5 إلى 10% من الحالات المسجّلة هي لأفراد تم تشخيصهم بالمرض قبل أن يبلغوا عامهم الخمسين. إلى جانب العمر، هناك عوامل خطورة أخرى، منها:

1. الجنس: ترتفع احتماليّة إصابة الذكور بهذا المرض، حيث أنَّ احتماليّة إصابة الذكر بالمرض أكثر بـ 1.2-1.5 % عمّا هي بالنسبة للإناث.

2. الوراثة: قد يساهم وجود بعض الطفرات الجينيّة في حدوث المرض، لكن وبرغم ذلك تفتقد معظم الحالات لوجود هذه الطفرات، حيث أنَّ ما نسبته 10% فقط من المرضى لديهم تاريخ عائليّ جينيّ مرتبط بالمرض.

3. التعرض لبعض المواد والسموم: حيث أظهرت الدراسات أنَّ التعرض لبعض العوامل والسموم البيئيّة كالمبيدات الحشريّة ومبيدات الأعشاب وشرب مياه الآبار بشكل مباشر، قد يزيد من خطر الإصابة بهذا المرض، ولكن بشكلٍ قليل نسبيًا.

4. إصابات الرأس المتكررة: خاصةً عندما يرافقها فقدان للوعي، فإنَّها تزيد من خطر الإصابة بالمرض.

التشخيص

ليس هناك فحص خاص يقودنا للتشخيص، مثل فحوصات الدم أو التصوير بالرنين المغناطيسيّ، بل يعتمد التشخيص على وجود مجموعة من العلامات التي تمكن ملاحظتها خلال إجراء الفحص السريريّ كالتيبس وبطء الحركة وغيرها، وهنا يجب التنويه إلى ضرورة أخذ سيرة مرضيّة شاملة وعمل فحص شامل للأعصاب، لاستثناء وجود مسبب آخر للأعراض والعلامات كالجلطة الدماغيّة، أو تناول بعض الأدوية التي قد تؤدي إلى حدوث رعشة كعرضٍ جانبيٍ لها.
إضافةً إلى ضرورة متابعة تطور هذه الأعراض؛ حيث يتميز باركنسون بأنه مرض تدريجيّ في تطوّر الأعراض والعلامات المرافقة، وهكذا فإنَّ تشخيص المرض ليس أمرًا سهلاً، وينصح دائمًا بالمتابعة لدى أخصائيي الأعصاب وأطباء اضطرابات الحركة؛ لأنهم الأكثر قدرةً على ملاحظة ومتابعة هذه الأعراض.

العلاج

رغم توفر عدّة أدوية للحدّ من أعراض المرض، لكن لا يتوفر دواء يستطيع وقف تطور المرض. وأشهر هذه الأدوية وأكثرها استخدامًا هو (الليفودوبا) برفقة (الكاربيدوبا)، حيث يعمل الأول على تخفيف الأعراض الحركيّة للمرض، بينما يخفف (كاربيدويا) من الآثار الجانبيّة المرافقة لتناول (ليفودوبا) والمتمثلة في الغثيان والتقيؤ.
على الرغم من فاعليّة (ليفودوبا) في تخفيف الأعراض إلا أنَّ هذه الفاعليّة قد تتلاشى عند وقف تناوله بشكلٍ مفاجئ. بالإضافة لأعراضه الجانبيّة سالفة الذكر، فقد يتسبب ليفودوبا بالدوخة وحدوث حركات عشوائيّة في الأطراف فيما يعرف باضطراب خلل الحركة؛ لذا فقد يفضل بعض المرضى عدم البدء بأخذه خاصة في المراحل الأولى للمرض خوفًا من هذه الأعراض، إلا أنَّ هذه المخاوف غير مبررة؛ ففي ميزان الفوائد والمخاطر فإنَّ كفّة فوائد الدواء هي الراجحة.
من ناحيةٍ أُخرى، أظهرت بعض الدراسات أنَّ النشاط البدني قد يبطئ من تطوّر أعراض المرض؛ لذلك يشجع الأطباء على ممارسة الأنشطة الرياضيّة بانتظام كركوب الدراجات والسباحة وتمارين بناء الأجسام، حيث تساعد الرياضة على تحسين وظائف الحركة والاتزان من ناحية، وتحسين المزاج من ناحيةٍ أُخرى. أخيرًا، فإنَّ التحفيز العميق للدماغ هو الآخر يمكن أن يخفف الأعراض، حيث تجرى عمليّة جراحيّة يتم خلالها زراعة أقطاب كهربائيّة في مناطق معيّنة بالدماغ؛ لتحسين الأعراض المتعلقة بالحركة.

الأبحاث والدراسات

أظهرت الأبحاث أنَّ إحدى الجوانب الهامة لإجراء الدراسات العلميّة المتعلقة بمرض باركنسون هي موضوع بروتين (ألفا ساينوكلين)، إذ وجِد عند تشريح جثثٍ لمرضى باركنسون، احتواء خلايا أدمغتهم على أجسام (ليوي – Lewy) الناتجة من تكتل جزيئات بروتين (ألفا ساينوكلين)، وتبيّن أنَّ وجود هذه الأجسام في خلايا الدماغ هو علامة فارقة للمرض، ولربما تكون هي السبب في تراجع وظائف الدماغ عند المرضى.
يأمُل الباحثون أن يتمكنوا من منع تكتل جزيئات هذا البروتين إما بإزالتها أو بإيقاف انتشارها داخل خلايا الدماغ؛ في سبيل وقف تطور المرض.

كتابة
بشرى النبابتة
noun_write_1686569-01
تدقيق علمي
سهى أبو زنيمة
noun_Newspaper_1299103-01
تدقيق لغوي
سهى أبو زنيمة
noun_Proofreading review_1737806-01
تصميم
نرمين فودة
noun_design_695181-01