اختبار وخز الكعب لحديثي الولادة

 

تعتبر أيام وأسابيع ما بعد الولادة فترةً حرجة في حياة الأُم والطفل حديث الولادة، إذ تحدث معظم وفيّات الأمهات والرضع خلال هذه المرحلة، إلا أنَّ كثيرًا من هذه الوفيّات والأمراض يمكن تلافيها في حال توفير الرعاية الصحية الجيدة، وذلك عبر إجراء الفحوصات والاختبارات اللازمة لتقصي وجود أي أمراض أو حالات طبيّة تستدعي علاجًا. فحص وخز القدم لحديثي الولادة (neonatal heel prick test)، هو إحدى اختبارات حديثي الولادة الأساسيّة التي قد تنقذ حياة طفلك، فما هو هذا الاختبار؟

لماذا تؤخذ قطرات من دم كعب الطفل حديث الولادة؟

يُجرى ذلك من أجل القيام بالفحص الوقائيّ لحديثي الولادة في الأسبوع الأول (خلال الساعات الأولى من الولادة)، عبر سحب الدم من كعب المولود ومن ثم تحليل العيّنة للكشفِ عن وجود المشاكل والاضطرابات الوراثيّة النادرة والتي قد تكون خطيرة، يُساعد هذا الاختبار في الكشف عن الأمراض في أسرع وقتٍ ممكن، مما قد يحدث فرقًا جوهريًا في إمكانيّة علاجه.
يبدو الكثير من الأطفال ممن يولدون بهذه الأمراض بكامل صحتهم عند الولادة، نظرًا لعدم ظهور أعراض تدلُّ على إصابتهم بها، مما قد يؤدي لعدم اكتشافها وبالتالي التأخر في علاجها، وهذا بدوره يؤدي إلى مضاعفاتٍ صحيّة خطيرة ودائمة لا رجعة فيها؛ كالإعاقة العقليّة والحركيّة، وتأخر النموّ، أو الوفاة المُبكّرة في أسوأ الأحوال. لذلك؛ فإنَّ إجراء الفحص يُساعد بشكلٍ كبير في منع حدوث هذه المضاعفات.

 إنَّ معظم هذه الاضطرابات وراثيّة ذات أصل جيني وترتبط بشكلٍ أساسي بزواج الأقارب، إلا أنَّ احتماليّة إنجاب أطفال يعانون من هذه المشاكل الصحيّة يظلُّ قائمًا وإن لم يكن لدى الوالدين أي مشاكل صحيّة، وإن كانوا قد أنجبوا أطفال أصحاء من قبل. وبشكلٍ عام؛ يُنصح بإخطار الطبيب في حال وجود سجل عائليّ للمرض.
من الجدير بالذكر أنَّ هذه الأمراض لا يمكن شفاؤها؛ ولكن يمكن معالجتها على سبيل المثال بالأدوية أو بنظام الحمية الغذائيّ الخاص ( الطعام عالي الطاقة أو منخفض الكلاكتوز أو البروتين مثلاً) أو كليهما معًا.
في السنوات الأخيرة ومع تطور التقنيات الحيويّة تم تسجيل محاولات ناجحة للعلاج التجريبيّ الذي يقوم بتعديل الجينات المصابة بعد وقتٍ قصير من ولادة الأطفال المصابين بأمراضٍ معينة كمرض ضمور العضلات الشوكيّ (Spinal muscular atrophy).

اعتمدت وزارات الصحة في معظم بلدان العالم برامج وطنيّة مجانيّة للفحص “المسح الطبي” المبكر لحديثي الولادة، واعتبرته جزءًا أساسيًا من برنامج الرعاية الصحيّة المُقدم من قبل الدولة، وذلك بهدف الحدّ من حالات الإعاقة.
في بعض الأحيان يكون هناك تباين كبير في عدد وأنواع الحالات المشمولة في برامج فحص حديثي الولادة الوطنيّة المجانيّة (تحليل كعب القدم للمولود) من بلدٍ إلى آخر او حتى في أجزاء البلد الواحد، وذلك بالاعتماد على دراسات الصحة العامة ومدى انتشار هذه الأمراض في البلدان، والفوائد المحتملة والفعاليّة من حيث تكلفة إجراء الكشف المبكر، والجاهزيّة لإدارة الحالات التي سيتم تشخيصها.

وبشكلٍ عام يمكن التحقق من الاضطرابات الوراثيّة النادرة المرتبطة بـ:

  • أمراض التمثيل الغذائيّ الاستقلابيّة (أمراض الأحماض الأمينيّة والدهنيّة والعضويّة) التي تؤثر في كيفية استفادة الجسم من أنواعٍ معيّنة من الغذاء. تحدث معظم مشاكل التمثيل الغذائي عندما تكون بعض الإنزيمات مفقودة أو لا تعمل كما ينبغي. مثال فينيل كيتون يوريا (PKU)، نقص البيوتينيداز(Biotinidase Deficiency) وغيرها.
  • أمراض الغدد الصماء، التي تؤثر على مستوى الهرمونات المفرزة الضروريّة، مثل مرض قصور الغدّة الدرقيّة الوراثي،ّ وتضخم الغدة الكظريّة الكميّ الوراثيّ.
  • أمراض الدم الوراثيّة كأمراض الأنيميا المنجليّة، والثلاسيميا.
  • اضطرابات أخرى كالتليُّف الكيسيّ، والصمم الوراثيّ، وجلاكتوسيميا، ومرض التفوّل (نقص إنزيمG6PD)

نظرًا لندرة الأمراض التي يُساعد هذا الفحص بالكشف عنها، فإنَّ احتماليّة إصابة طفلك فعليًا بإحداها ضئيل إلى حدٍ ما؛ لذلك تكون معظم النتائج سليمة، ولكن ماذا إن كانت نتيجة الفحص إيجابيّة؟ في حال كانت النتيجة إيجابيّة، يتم الاتصال بالوالدين إذا كانت هناك مخاوف بشأن نتائج الاختبار وهذا لا يعني بالضرورة أنَّ طفلك يعاني من هذه الحالة الصحيّة، لأنَّ هذا الفحص يحدد فقط الأطفال الأكثر عرضةً للإصابة بالاضطرابات الصحيّة، فهو ليس اختبارًا تشخيصيًا. وعادة ما يتم طلب المزيد من الفحوصات التشخيصيّة والتحاليل للتأكد من وجود المشكلة الصحيّة من عدمه، إنَّ الفحوصات الإضافيّة مهمة؛ لأنَّ التشخيص والعلاج المبكر من شأنه منع العديد من المشاكل الصحيّة.

على الصعيد الآخر؛ يعتقد بعض الأشخاص أنَّ فحص الأطفال حديثي الولادة للكشف عن مزيدٍ من الأمراض ليس فكرةً جيدة، فمن وجهة نظرهم، يمكن أن تُسبب النتائج قلقًا وإرباكًا إضافيًا للوالدين، كما أنَّ احتماليّة ظهور نتائج إيجابيّة خاطئة قد تؤدي إلى أجراء المزيد من الاختبارات غير الضروريّة للأطفال. بالإضافة لما سبق، قد يخشى بعض الآباء من معرفة ما إذا كان طفلهم سيصاب بمرضٍ خطير مستقبلاً، خاصةً إذا كان ظهوره يستغرق سنوات كما في بعض الحالات.
ولكن من الناحية الطبيّة، يوصى بهذا الاختبار بشدّة، لأنَّه قد ينقذ حياة طفلك، والفوائد غالبًا ما تفوق المخاطر، ففحص حديثي الولادة يمكن أن يمنح المصابين حياةً طبيعيّة، ويمكن أن يقيهم من المضاعفات الصحيّة التي كان يمكن تجنّبها لو تلقوا العلاج باكرًا.

كتابة
د. نور مصطفى
noun_write_1686569-01
تدقيق علمي
سهى أبو زنيمة
noun_Newspaper_1299103-01
تدقيق لغوي
سهى أبو زنيمة
noun_Proofreading review_1737806-01
تصميم
نرمين فودة
noun_design_695181-01