سلسلة فحوصات ما قبل الولادة (4) : التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة – PGD

 

في الوقت الحاضر، يقدم علم الوراثة مع التكنولوجيا دعمًا كبيرًا للطب التناسليّ، لأنَّه يقدم اختبارات مختلفة، اعتمادًا على المرحلة التي يمر بها الأزواج (قبل الحمل أو خلاله)، إذ يستطيع الأزواج الذين يعانون من مشاكل بالخصوبة أو من الإجهاض المتكرر، أو أولئك الذين عانوا من عدّة دورات غير ناجحة من التلقيح الاصطناعي أو المُعرضين لخطر ولادة طفل لديه اضطراب وراثيّ متوقع (لأنَّ أحد الوالدين أو كلاهما يحملان طفرات جينيّة أو اضطرابات كرموسومية معيّنة)، اللجوء لتقنيات المساعدة على الإنجاب (ART)، بهدف تقليل مخاطر انتقال الأمراض الوراثيّة إلى ذريتهم.

إحدى الإمكانيّات العمليّة المقترحة على الأزواج في تلك الحالات هي تقنية التشخيص الوراثيّ قبل زرع الأجنّة (الغرس) أو ما يُعرف اختصارًا بـ (preimplantation genetic diagnosis/screening (PGD/PGS)) حيث تتضمن هذه التقنية عزل خلية واحدة أو أكثر في اليوم الثالث بعد الإخصاب من الجنين المتكوّن من عمليّة الإخصاب مخبريًا خارج الجسم (IVF/ ICSI)، ومن ثم استخدام تقنيات مختلفة؛ على مستوى الحمض النوويDNA  أو الكرموسومات لاختبار وتحديد الحالة الوراثيّة للجنين ومعرفة ما إذا كان الطفل سيحمل المرض أو لا. وبعد ذلك يتم التقرير ما إذا كانت البويضة المخصبة ستخضع للعمليّة التالية؛ وهي الغرس في رحم الأم أو التخلص منها.

وقد ساعد التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة بالفعل الآلاف من الأزواج، إذ يمنح توقيت إجراؤه في مرحلةٍ مبكرة جدًا (قبل حدوث الحمل)، الآباء مزيدًا من الحرية والشعور بالراحة الأخلاقيّة أو الدينيّة في اتخاذ القرارات، لكن هذا لا يعني أنَّ تقنية التشخيص الوراثيّ قبل زرع الأجنّة PGD يُمكن أن تؤكد تمامًا عدم إصابة الجنين بالأمراض الوراثيّة.

حددت هيئة الإخصاب والأجنّة البشرية (HFEA) بالمملكة المتحدة أمثلة على الأمراض الوارثية التي يمكن تجنّبها باستخدام تقنية التشخيص الجينيّ قبل الزرع، مثل: متلازمة داون، باتو، إدواردز، ومرض تاي ساكس، وفقر الدم المنجلي، السرطانات الوراثية BRCA1&2، ورم الأرومة الشبكية، متلازمة تعدُّد الأصابع وقِصَر الأضلع، ومرض هشاشة العظام، ومرض هنتنجتون، ومرض الكلى متعدد الكيسات، وأشكال معينة من الصمم، وغيرها.

أما بالنسبة لأكثر اختبارات التحليل الوراثي استخدامًا في تقنية التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة، هي تفاعل البوليميراز المتسلسل (PCR) والذي بدأ العمل به متزامنًا مع بداية فحص أجنّة التلقيح الاصطناعيّ، أي قبل 30 عامًا؛ لمساعدة من يحملون عوامل وراثيّة لأحد الاضطرابات التي تصيب الذكور عادةً، مثل ضمور دوشين العضلي (Duchenne muscular dystrophy DMD)، لذلك وبفضل هذا الاختبار، تمكّن الأطباء بعد إخصاب البويضات في المختبر واختبارها لتحديد الجنس، من استثناء أجنّة الذكور التي يُحتمل إصابتها بالمرض، وزراعة الأجنّة الأُنثويّة السليمة فقط. تم تطوير تقنية تفاعل البوليميراز المتسلسل للكشف عن العديد من التشوهات الوراثيّة مثل طفرات الجين الواحد، اختلالات الكروموسومات، وطفرات الميتوكوندريا.
وبالمثل، كانت تقنية التهجين الموضعيّ التألقي (فيش-FISH) لفحص اختلال الكروموسومات (الانتقالات الصبغية) بالإضافة إلى الكشف عن الأمراض المرتبطة بالكرموسوم الجنسي (X، Y) مستخدمةً لسنوات عديدة، ومع ذلك، أصبحت هاتان الطريقتان قديمتان بسبب بعض المحددات مثل عجزهما عن الكشف عن الطفرات الجديدة غير الموروثة (de novo mutation) والتي تظهر لأول مرة في الجنين كنتيجةٍ لحدوث خللٍ ما.

من ناحية أخرى، تم إدراج طرق تشخيص جديدة لتحسين الكفاءة السريرية والنتائج، مثل التهجين الجيني المقارن (aCGH)، وتقنية تسلسل الحمض النووي الكامل للجينوم أو الإكسون (Whole genome/Exome sequencing)، والتي قدمت معلومات جديدة وغزيرة لاكتشاف المتغيّرات الوراثيّة لكل جين على حدة، وبالتالي تحسين جودة تقنية التشخيص الوراثيّ قبل زرع الأجنّة PGD فقد أصبح الآن من السهل نسبيًّا رسم خريطة تسلسل الجينوم كاملاً أو جزء منه عبر تحليل خليّة واحدة من الجنين.

بصفةٍ عامة تُعتبر هذه التقنية مثيرة للجدل نوعًا ما، ويتسم التوسع بها في جميع أنحاء العالم بالبطء بشكلٍ عام، باستثناء الصين التي أقدمت على خطوات وقفزات بهذا المجال تحسب لها وعليها، ففي الولايات المتحدة مثلاً لا يتم تنظيم التشخيص الوراثي قبل الزرع على عكس العديد من الدول الأوروبية التي يكون لديها هياكل قانونيّة صارمة تحدد المؤشرات المسموح بها لاستخدام الاختبار.

نظرًا لندرة تنظيم هذا الاختبار في العديد من الدول، فقد يميل البشر إلى استغلال واستخدام هذه التكنولوجيا لمصالحهم “الأنانية” لأي سببٍ من الأسباب، مثل استخدامها لتحديد جنس الجنين دون أسباب طبية، وإنَّما من قبيل تفضيل الوالدين جنس على آخر أو بهدف تعزيز صفات معيّنة من قبل الآباء الذين يرغبون بإنجاب أطفال بدرجةٍ أعلى من الجمال والذكاء والصحة البدنيّة، وتجنّب بعض الأمراض مثل الصمم.

تشكّل تقنيات التعديل الجينيّ (وهو إدخال أو حذف أو تعديل أو تثبيط أي جين بالحمض النووي، في موقع محدد منه، عن طريق ما يشبه المقص) مثل تقنية كريسبر (CRISPR)، مصدر قلق عالميّ، إذ تسمح هذه التقنيات بإجراء التعديلات الجينيّة على الأجنّة، وذلك عن طريق إصلاح الطفرات التي يسببها حدوث طفرة في جين واحد قبل زرع الأجنّة للحصول على أجنّة معدّلة وراثيًا، ومن الأمثلة على ذلك قيام فريقُ علماء صينيّ بالإعلان عن ولادة طفلتين معدلتين جينيًا للمساعدة في حمايتهما من الإصابة بفيروس الإيدز، مما أثار جنون العالم على هذه التقنية وأدى إلى إطلاق نداءات لعدم “إنتاج أطفال” بواسطة هذه التقنية قبل تحسينها وضمان الدقة والحصول على الموافقات التنظيمية وهذا سيستغرق سنوات. ختامًا، تُظهر التقديرات العالميّة أنَّ العيوب الخلقيّة أو الاضطرابات الوراثية تشهد ارتفاعًا في معدل حدوثها بين المواليد الأحياء في البلدان العربية مقارنةً بأوروبا وأمريكا الشمالية، حيث تتفاقم المشكلة بسبب الافتقار إلى خدمات وراثيّة موثوقة في معظم الدول العربيّة باستثناء القليل منها، لذلك نؤكد على أهمية نشر الوعي بالتشخيص الوراثيّ بصفةٍ عامّة كخطوة أوليّة، والذي أصبح مطلبًا إلزاميًا لا مفرّ منه وليس ترفًا معرفيًا، ففي وقتنا الحالي نستطيع منع حدوث الكثير من الأمراض لكي ينعم الجيل القادم بما وصل إليه العلم والعلماء، كما أنَّ الإرشاد الوراثيّ قد يكشف عن معلومات قيّمة تتعلق بمرضٍ وراثيّ ما في العائلة يمكن تجنب حدوثه أو الكشف عنه خلال الحمل.

كتابة
د. نور مصطفى
noun_write_1686569-01
تدقيق علمي
سهى أبو زنيمة
noun_Newspaper_1299103-01
تدقيق لغوي
سهى أبو زنيمة
noun_Proofreading review_1737806-01
تصميم
نرمين فودة
noun_design_695181-01