سلسلة فحوصات ما قبل الولادة (3) : الفحص غير الجراحي – NIPT

 


هل تعلمين أنَّ أجزاءً من الحمض النووي لجنينك تسري في دمك؟

منذ وقت ليس ببعيد، كانت الطريقة الوحيدة لنعرف أي شيء عن الحمض النووي للجنين هي عن طريق إدخال إبرة معقمة طولها يُقارب الـ 20 سم لجمع خلايا الجنين من المشيمة أو السائل الأمينوسي المحيط به، وهي إجراءات تنطوي على مخاطرةٍ بسيطة بإجهاض الحمل، إلا أنَّ هذا الحال قد تغيّر بعد أن توصل العلماء  لطريقةٍ يتم من خلالها جمع أجزاء المواد الجينيّة الجنينيّة التي تسبح في دم الأم.

توجد قطع من الحمض النووي المتحررة تسبح مستقلةً خارج الخلايا والتي اكتشفها عالم الوراثة دنيس لو عام 1997عندما اكتشف وجود قطع من كروموسوم Y تسبح في بلازما النساء الحوامل بالأجنّة الذكور، فأطلق عليها اسم الحمض النوويّ الجنينيّ المُتحرر من الخلايا (Cell -free fetal DNA cffDNA) وهي في المقام الأول ذات أصل مشيميّ تم تسريبها في الأسابيع الأولى من الحمل لتطفو بدم الأُم بصحبة خلاياها، وهي أصغر بكثير من قطع الحمض النووي الحرّة الخاصة بالأُم، عادةً ما تتألف من أقل من 200 وحدة بناء نوكليوتيديّة، ويسمح هذا الاختلاف في الحجم بالتمييز بينهم. تختفي هذه القطع بسرعة بعد الولادة بساعاتٍ معدودة. ويتم تحديد مستويات cffDNA بعوامل متعددة، بما في ذلك عمر الحمل ووزنها وطريقة الاستخراج المتبعة.

اختبارات ما قبل الولادة غير الجراحية – NIPT

وبما أنَّ الحمض النووي في خلايا المشيمة عادةً ما يكون مطابقًا للحمض النووي للجنين، زاد ذلك من فرصة الكشف المبكر عن بعض التشوهات الجينية والاضطرابات الوراثية التي يمكن أن يعاني منها الجنين دون الإضرار به او بالأُم، ومنذ ذلك الحين تم ترجمة هذا الاكتشاف إلى نموذج جديد من اختبارات ما قبل الولادة تُدعى بالاختبارات غير الجراحية (Non-invasive prenatal testing-NIPT). ليصبح متاحًا تجاريًا عام 2011م، لذا فإنَّ هذا الاختبار هو اختبار دم من اختبارات التقصّي غير الجراحية -ولا يشكّل أي خطر على الجنين او الأم- وهو اختياريّ غير تشخيصي، ويمكن إجراؤه في وقتٍ مبكر من عمر الحمل أي في الأسبوع التاسع أو العاشر- ولكن من المعتاد أن يتم أخذ العينة تقريبًا في الأسبوع الثاني عشر أو بعد ذلك -، يوفر هذا الاختبار إمكانية الكشف بدقة عالية عن مشكلات الكروموسومات للجنين (aneuploidy)، ويبحث في حالات وراثية محددة؛ لهذا لا يُعدّ بديلًا عن اختبارات التشخيص في حال أظهر نتائج إيجابية ولكنّه يعدُّ خطوةً استباقية للتقنيات الجراحية (invasive prenatal diagnosis)، أما إذا كانت النتائج سلبية، فستستمر الحامل في إجراء فحوصات الحمل العادية والروتينة دون الحاجة إلى إجراء فحص الزغبات المشيمية CVS أو فحص السائل الأمنيوسي. ومما يجدر معرفته؛ هو أنَّ الكثير من دول العالم تجري عملية سحب السائل الأمنيوسي أو أخذ خزعة من الزغابات المشيمة لأي امرأة حامل لديها تاريخ عائلي مع الاضطراب الجيني أوسبق لها أنجاب طفل لديه خلل جيني أو كروموسومي، أو اللنساء اللواتي تجاوزن عمر الخامسة والثلاثين.

يُجرى هذا الاختبار بتقنية الجيل الجديد من تقنيات تسلسل الحمض النووي (تسلسل الجينوم)، والتي يمكنها أن تُظهر تعدّد أشكال الحمض النووي بين العيّنتين، والتي تتمثل بجمع عينة مصلية من دم الأم الحامل (فقط أُنبوبين بحجم 10 مليلتر)، يتم من خلالها عزل أجزاء من الحمض النووي (DNA) الحر الخاص بالجنين من بلازما الأم الحامل. يعتمد الفحص على عدّ قطع الحمض النووي الجيني المتحررة (الكروموسومات) ومن ثم تحديد نسبة أعدادها إلى بعضها البعض، إذ تسمح معرفة هذه النسب بحساب احتمالية كون الجنين مُصاب بمرضٍ ناتج عن خطأ في عدد كروموسوماته، من أهم الحالات التي يُساعد هذا الاختبار في اكتشافها هي متلازمة داون Down Syndrome))  بنسبة اكتشافٍ للمرض تصل  إلى أكثر من 99٪، بالإضافة لمتلازمة باتو 13 (Patau Syndrome)، ومتلازمة إدوارد (Edward syndrome). كما يوفر هذا الاختبار أيضًا معلومات عن وجود أي خلل في عدد الصبغات الوراثية المتعلقة بالكروموسومات الجنسية (X & Y) كمتلازمة كلاينفلتر (Klinefilter syndrome) أو متلازمة تيرنر (Turner syndrome) أو اضطرابات تطور الجنس (DSD – disorder of sex development). كما وتشمل التطبيقات السريرية المبكرة للاختبار حالات مرض الريسوس (عند عدم توافق العامل الريسوسي بين دم الأُم ودم طفلها)، وتحديد الجنس، مما يساعد بتشخيص الأمراض المرتبطة بكرموسوم X (X-linked disorders) و تضخم الغدة الكظرية الخلقي (congenital adrenal hyperplasia). ومن الجدير بالذكر أنَّ اختبارات ما قبل الولادة غير الجراحيّة NIPT قد بدأ استخدامها لاختبار الاضطرابات الوراثية التي تسببها الطفرات والتغيّرات بجين واحد (monogenetic disorders) كالتليّف الكيسي، مرض هنتنغتون، الثلاسيميا من نوع بيتا، فقر الدم المنجلي، وضمور العضلات، وبعض أنواع الصمم.

يضع العلماء نصب أعينهم -في وقتنا الحاضر- تطوير أبحاث غير جراحية خاصة بالجنين تساعدنا أكثر لاستراق السمع -إن جاز التعبير- على النشاط الجيني أثناء تطور الجنين، وكيف يتم توزيع التعليمات زمانيًّا ومكانيًّا، لمعرفة أيّ من الجينات يعمل، وأيها يتوقف عن العمل غير متناسين دور البيئة بعملها أو تعطيلها (epigenetic). وحاليًا، تقوم غالبية الدراسات بتحليل الجينوم بعد الولادة  (postnatal)، ولكن الباحثين يتلهفون في الوقت الراهن لاستخدام المناهج والطرق نفسها على الأجنّة في الأرحام (prenatal) باستخدام عينات دم مأخوذة من الأم الحامل.

مع تطور التكنولوجيا ووجود العديد من الشركات لتطوير تلك التقنيات وانخفاض تكلفة الاختبارات الجينية، يتوقع الباحثون أن اختبارات ما قبل الولادة غير الجراحيّة NIPT ستصبح متاحة للعديد من الحالات الوراثية. وحتى الآن لم يخضع هذا الاختبار للموافقة من منظمة الغذاء والدواءالأمريكية (FDA) لذلك فهو غير مشمول ضمن برامج التأمين الصحي في معظم دول العالم.

كتابة
د. نور مصطفى
noun_write_1686569-01
تدقيق علمي
سهى أبو زنيمة
noun_Newspaper_1299103-01
تدقيق لغوي
سهى أبو زنيمة
noun_Proofreading review_1737806-01
تصميم
نرمين فودة
noun_design_695181-01